فهرس الكتاب

الصفحة 700 من 1503

البسطامي، وغير ذلك من المشايخ قدس سرهم، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع، ظهر لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبديل الصفات، انتهى. قال: فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق أصعد منارة المسجد طول النهار وأغلق بابها على نفسي، ثم تحركت بي داعية فريضة الحج إلى ببت الله تعالى والاستمداد من بركة مكة والمدينة وزيارة الرسول (عليه الصلاة والسلام) بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله عليه وعلى سائر الأنبياء. فسرت إلى الحجاز. قلت: ولعل حجه قد تكرر، لأنه ذكر بعض المؤرخين أنه حج من العراق قبل إقامته بالشام. قال: ثم جذبتني الهمم ودعوات الأطفال إلى الوطن، فعاودته، بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه وآثرت العزلة به أيضًا حرصًا. على الخلوة وتصفية القلب للذكر. وكانت حوادث الزمان ومهمات العيال وضرورات المعيشة تغير في وجه الراد، وتشوش صفوة الخلوة، وكان لا تصفو لي الحال إلا في أوقات متفرقة، ولكني مع ذلك لا أقطع طمعي عنها، فتدفعني عنه العوايق وأعود إليها. ودمت على ذلك مقدار عشر سنين. وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به، أني علمت يقينًا أنا الصوفية (هم) السالكون بطريق الله تعالى خاصة، وان سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلى الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئاَ من سيرتهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلًا، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به. وبالجملة، فماذا يقول القائل في طريقة طهارتها تطهر القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، وتحربمتها استغراق القلب بذكر الله تعالى، وآخرها الفناء بالكلية في الله تعالى، وهذا آخرها، بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكشف من أوائلها، وهو على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه، ومن أول الطريقة تبتدئ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت