فهرس الكتاب
فالذي يجب عليك: الاقبال بعلوم الآخرة. وهي قسمان: علوم معاملة وعلوم مكاشفة، والأول طريق للثاني.
أما علوم المعاملة فهي معرفة أحوال القلب؛ أما ما يحمد منها: كالصبر والشكر والخوف والرجاء والزهد والرضا والقناعة والتقوى والاحسان والسخاء وحسن الظن والخلق والمعاشرة والصدق والاخلاص؛ وأما ما يذم منها: فخوف الفقر وسخط المقدور والغل والحقد والحسد والغش وطلب العلو وحب الثناء وحب البقاء في الدنيا والكبر والرئاء والغضب والفخر والخيلاء والتنافس وطول الأمل والفرح بالدنيا والأنس بأهلها، الى غير ذلك.
وأما علوم المكاشفة: فمعرفة ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته وأفعاله وحكمته، ومعرفة معنى النبوة والنبي، ومعنى الوحي والملائكة والشياطين، ومعرفة الجنة والنار وعذاب القبر والصراط والميزان والحساب، ومعنى لقاء الله والنظر الى وجهه الكريم، ومعنى القرب منه والنزول في جواره، الى غير ذلك من الأحوال، بان يرتفع الغطاء ويتضح جلية الحق اتضاحًا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه، وهذا ممكن في جوهر الانسان، وانما يشغل عنه كدر قاذورات الدنيا، فاذا صقل القلب عنها يتجلى له تلك العلوم بلا شك، ويتلألأ فيه أنوار تلك الحقائق لا محالة. وهذه العلوم لا تسطر في الكتب، ولا يتحدث بها الا من يعرفها، فلا تحقروا عالمًا آتاه الله علمًا، فان الله عز وجل آتاه إياه.
قال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم يعني علم المكاشفة أخاف عليه سوء الخاتمة؛ وأدنى النصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله. وقال آخر: من كان فيه خصلتان لم يفتح له بشيء من هذا العلم، وهما: البدعة والكبر. وقيل: من كان محباُ للدنيا ومصرًا على هوى لم يتحقق به، وقد يتحقق بسائر العلوم. وأقل عقوبة من ينكره أن لا يرزق منه شيئًا، وهو علم الصديقين والمقربين.