فهرس الكتاب
وعادة منتشرة فيك؛ ثم اشتغل بفروض الكفايات على التدريج الذي سنذكر لك ذلك، فابتدئ بكتاب الله، ثم بسنة رسوله، ثم بعلم التفسير وسائر علوم القرآن: من الناسخ والمنسوخ والمفصول والموصول والمحكم والمتشابه وكذلك في السنة؛ ثم اشتغل بالفروع من علم الفقه دون الخلاف، ثم بأصول الفقه، وهكذا إلى بقية العلوم، بقدر ما يتسع له وقتك، ولا تستغرق عمرك في واحد منها طالبًا للاستقصاء، فإن العلم كثير والعمر قصير، وإن طلبت الزيادة عليها واتسع لك الوقت، فاقتصر من شائع علم اللغة قدر ما تفهم به كلام العرب وتنطق به، ومن غريبها على غريب القرآن والحديث وتعد العمق فيه، واقتصر من النحو على قدر ما يتوقف عليه معرفة الكتاب والسنة؛ وتعمق في التفسير قدر ما يعده العلماء وسيطًا، ثم اصرف ذهنك عن لطائفه وإشاراته؛ وفي الحديث قدر تحصيل ما في الصحيحين، والصحاح الستة قدر ما يحتاج إليه في الأعمال، وحصل نسخة صحيحة منهما أو منها على رجل خبير بمتون الحديث، ودع حفظ أسامي الرجال ومعرفة عللهم، لأن السلف من جامعي الصحاح قد كفينا مؤنتها؛ فأما الفقه فيكفي فيه حفظ البداية والوقاية والمنظومة للنسفي؛ وأما الكلام فيكفي فيه قدر محافظة عقائد واردة في الكتاب والسنة، وإن قدرت مع ذلك على دفع المبتدعة فأحسن وأحسن؛ وأما الخلافيات فلا حاجة لك بها على كل حال، إذ الغرض منها إقبال الناس ووفور الحرمة والحشمة عند الولاة، وهذا من أخس الأغراض وأرذلها، سيما إذا أدى إلى بذل العلم في باب هؤلاء، سيما مع طلب رضاهم في الأحكام - اللهم عفوا عفوا؛ وأما المنطق فهو داخل في علم الكلام؛ وأما الفلسفة: فما كان منها مخالفًا للشرع، فأكثره مباحث علم الإلهي وبعض من الطبيعي، فذلك في حكم السحر بل أضر منه، لأنه يؤدي إلى الكفر أسرع من السحر؛ وما لم يكن مخالفًا للشرع، كبعض مسائل الإلهي وأكثر مسائل الطبيعي وكل مباحث الرياضي، فلا منع عنها فهو في حكم على الحساب، إلا أن يخاف أن يستدرج مشتغله إلى العبور إلى البواقي، فيمنع منها البعض دون ذلك.