فهرس الكتاب
عليها، كدأب الباطنية في التأويلات؛ وهذا أيضًا حرام فان الألفاظ إذ صرفت عن ظواهرها، بلا نقل من الشرع، أو دليل من العقل، لبطل التعويل على النصوص، وبهذا توصل الباطنية الى هدم الشرائع؛ إذ النفوس مائلة الى المستغرب ومستلذة له.
ومنها الحكمة وقد كانت الحكمة تعد خيرًا كثيرًا؛ كما نطق به التنزيل بقوله: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرا) وقوله صلى الله عليه وسلم: (كلمة من حكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا وما فيها) .
والآن نقل الى الطبيب والشاعر والمنجم، حتى الذين يدحرجون القرعة على أكف السواد في شوارع الطرق، فانظر هذا النقل من أين إلى أين.
إذا عرفت مثار الالتباس في العلوم، فعليك أن تنظر لنفسك فتقتدي بالسلف، ولا تتدل بحبل الغرور حتى تتشبه بالخلف. فاعلم أن من العلم ما هو المذموم قليلة وكثيرة، ولا فائدة فيه دينًا ودنيا، أو ضرره يغلب نفعه، كعلم السحر والطلسمات والنجوم؛ ومنه ما هو المحمود كله: كالعلم بالله سبحانه وتعالى وبصفاته وأفعاله وسنته في خلقه، فإنه بحر لا ساحل له، وما خاض فيه إلا الأنبياء والأولياء والراسخون في العلم، فمفتاحه أولًا التعلم والجد ومشاهدة أحوال العلماء، وآخره المجاهدة والرياضة وتصفية القلب وتفريغه عن علائق الدنيا والتشبه بأنبياء الله وأوليائه.
وأما العلوم التي لا يحمد منها إلا قدر مخصوص فهي العلوم التي هي فروض الكفايات فان لكل علم اقتصارًا واقتصادًا واستقصاء فان كنت أصلحت نفسك فلا عليك الاستقصاء فيها لإصلاح غيرك؛ ويكفيك الاقتصاد، بل هو الخير، إذ لا يفي الأعمار بالاستقصاء في كل العلوم، فاستقصاء البعض دون الآخر ليس بخير، بل الأحسن الاقتصاد في الكل. وإن لم تكن أصلحت نفسك أولًا، فإياك أن تقصد إصلاح غيرك وتترك نفسك، إذ لا أعظم منه خسرانًا؛ فعليك أن تشتغل أولًا بتطهير نفسك من ظاهر الإثم وباطنه بحيث تجعله ديدَنًا