فهرس الكتاب

الصفحة 964 من 1503

الآخرة وأهوالها، فهذا هو التذكير المحمود شرعًا، الذي قد ورد الحث عليه. فنقل ذلك الآن الى ما ترى من حال الوعاظ، وما يواظبون عليه من القصص والأشعار والشطح والطامات. أما القصص فهو بدعة، وقد ورد نهي السلف عن الجلوس الى القصاص، لأنهم ان اقتصروا على القصص الواردة في القران لأصابوا، لكنهم غيروا وزادوا ونقصوا، حتى أنهم من سمح نفسه وضع الحكايات المرغبة في الطاعات، ويزعم أن قصده فيه دعوة الخلق الى الحق، وهذه من نزغات الشيطان، فان في الصدق مندوحة عن الكذب.

وأما الأشعار فاكثرها في الوعظ مذموم، والمستمع ينزل كل ما يسمعه على ما يستولى على قلبه، ومجالس الوعاظ لا تحوي إلا أجلاف العوام، وبواطنهم مشحونة بالشهوات، فتحرك الأشعار المشتملة على تواصف العشق ومدح الوصال وبث آلام الهجر، ما هي مستكنة في قلوبهم من نيران الشهوات، فيزعقون ويتواجدون على تصور الفساد، اللهم الا إذا كانت الأشعار مشتملة على المواعظ والحكم، أو كانت الحضار الخواص خاصة، فًاولئك ينزلون الشعر الوارد في المخلوق على ما استولى على قلوبهم من حب الخالق.

وأما الشطح فأما دعاوى طويلة عريضة في العشق مع الله، والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة، حتى ينتهي قوم الى دعوى الاتحاد، وارتفاع الحجاب، والمشاهدة بالرؤية، والمشافهة بالخطاب، فيقولون: قيل لنا كذا وقلنا كذا؛ وأما كلمات غير مفهومة، لها ظواهر رائقة، فيها عبارات هائلة، وليس وراءها طائل، وهذْا أما أن لا يفهمه القائل أيضًا، وأما لخبط في عقله وتشويش في خياله؛ أو تكون مفهومة للقائل، ولا يقدر على التعبير، لقلة ممارسته التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة - قال صلى الله عليه وسلم: (كلموا الناس بما يعرفونه ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله) . وهذا فيما يفهمه صاحبه، فكيف فيما لا يفهمه قائله، فان كان يفهم القائل دون السامع فلا يحل ذكره.

وأما الطامات فمنها ما ذكرناه من الشطح، وأمر آخر، وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهر المفهوم الى أمور باطنة، لا يسبق منها الى الافهام حقيقة يعتمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت