وفي بيان رأفته لأمته ، ودليلٌ على أن التراويح سنة جماعة وانفرادًا ، والأفضل في عهدنا الجماعة لكسل الناس . قيل: وفيه دلالة على أن الجماعة في الصلاة المكتوبة ، فريضةٌ لأن رسول الله والصحابة واظبوا عليها ولم يتخلف عنها إلا منافقٌ . وقال ابن حجر: معناه أنه خشي أن يكون افتراضها معلقًا في اللوح المحفوظ على دوام اظهارها جماعةً . اه . وضعفه ظاهر ( فصلوا أيها الناس ) أمر استحباب ( في بيوتكم ) فإنها معدةٌ للنوافل لكونها أبعد من الرياء ( فإن أفضل صلاة المرء ) وهذا عامٌ لجميع النوافل والسنن إلا النوافل التي من شعار الإِسلام كالعيد ، والكسوف والاستسقاء . ( في بيته ) خبران أي صلاته في بيته ( إلا الصلاة المكتوبة ) أي المفروضة فإنها في المسجد أفضل . قال ابن حجر: وبه أخذ أئمتنا ، فقالوا يسن فعل النوافل التي لا تسن فيها الجماعة في البيت ، فهو أفضل منه في المسجد ولو في الكعبة والروضة الشريفة لأن فضيلة المضاعفة ولتعود بركتها على البيت ولأنه أبعد عن الرياء وإن خلا المسجد . اه . والظاهر أن الكعبة والروضة الشريفة تستثنيان للغرباء لعدم حصولهما في مواضع أخر ، فتغتنم الصلاة فيهما قياسًا على ما قاله أئمتنا أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة النافلة والله أعلم . ( متفق عليه ) ورواه الأربعة ولفظه للبخاري قاله ميرك . قال ابن الهمام: وفي الصحيحين عن عائشة أنه عليه الصلاة والسلام صلى في المسجد فصلى بصلاته ناسٌ ثم صلى من القابلة فكثر الناس ، ثم اجتمعوا من الثالثة فلم يخرج إليهم فلما أصبح قال قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفترض عليكم . وذلك في رمضان وزاد البخاري في كتاب الصوم ، فتوفى رسول الله والأمر على ذلك . قال ابن حجر: واستمروا كذلك زمنه عليه الصلاة والسلام وزمن خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر ثم جمع عمر الرجال على أبيّ والنساء على سليمان بن أبي حثمة وفي رواية أنه أمر أبيًا وتميمًا أن يقوما للناس فكان القارىء يقرأ بالمائتين حتى كنا نعتمد على العصا من طول القيام ، وكان عمر رضي الله عنه يقول في جمعه الناس على جماعةٍ واحدةٍ نعمت البدعة هي وإنما سماها بدعة باعتبار صورتها فإن هذا الاجتماع محدثٌ بعده عليه الصلاة والسلام وأما باعتبار الحقيقة فليست بدعة لأنه عليه الصلاة والسلام إنما أمرهم بصلاتها في بيوتهم لعلة هي خشية الافتراض ، وقد زالت بموته عليه الصلاة والسلام ولم يأمر بها أبو بكر رضي الله عنه لأنه كان مشغولًا بما هو أهم منها وكذلك عمر أوائل خلافته ومن ثمَّ قال النووي: الصحيح باتفاق أصحابنا أن الجماعة فيها أفضل ، بل ادعى بعضهم الإجماع فيه أي اجماع الصحابة على ما قاله بعض الأئمة وخالفه البيهقي فقال لم يجمعوا عليها كلهم بل أكثرهم وقيل: الانفراد فيها أفضل قالوا ومحله فيمن يحفظ القرآن ولا يخاف النوم والكسل ، ولا تختل جماعة المسجد بفقده .