( من قرة أعين ) من اللذات التي تقر أعينهم وتشتهيه أنفسهم ، وفي الحديث القدسي: ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) ( حتى بلغ 16( { يعملون } ) ) وهو قوله [ تعالى ] : 16 ( { جزاء بما كانوا يعملون } ) [ السجدة 16 ] أي جوزوا جزاء بسبب أعمالهم وبمقابلة أفعالهم وموافقة لأحوالهم ( ثم قال: ) أي عليه الصلاة والسلام ( ألا أدلك برأس الأمر ) أي مخبرًا بأصل كل أمر ( وعموده ) بفتح أوّله ، أي ما يقوم به ويعتمد عليه ( وذروة سنامه ؟ ) الذروة بكسر الذال وهو الأشهر وبضمها وحُكي فتحها أعلى الشيء ، والسنام بالفتح ما ارتفع من ظهر الجمل قريب عنقه ( قلت: بلى يا رسول الله ، قال: رأس الأمر ) أي أمر الدين ( الإسلام ) يعني الشهادتين ، وهو من باب التشبيه المقلوب إذ المقصود تشبيه الإسلام برأس الأمر ليشعر بأنه من سائر الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد في احتياجه إليه وعدم بقائه دونه ( وعموده الصلاة ) يعني الإسلام هو أصل الدين إلا أنه ليس له قوّة وكمال كالبيت الذي ليس له عمود ، فإذا صلى وداوم قوي دينه ولم يكن له رفعة ، فإذا جاهد حصل لدينه رفعة وهو معنى قوله ( وذروة سنامه الجهاد ) وفيه إشعار إلى صعوبة الجهاد وعلو أمره وتفوقه على سائر الأعمال . والجهاد من الجهد بالفتح وهو المشقة ، أو بالضم وهو الطاقة لأنه يبذل الطاقة في قتال العدوّ عند فعل العدوّ مثل ذلك ، أو بضم جهده إلى جهد أخيه في نصرة دين الله كالمساعدة ، وهي ضم ساعده إلى ساعد أخيه لتحصيل القوّة . وله أنواع من جهاد الأعداء ليكون الدين كله لله ، وجهاد النفس بحملها على اتباع الأحكام وترك الحظوظ وتكليف الخصلة المذمومة المفرطة خلاف مقتضاها والعمل بنقيض موجبها حتى اعتدلت وتناسقت قوّة العلم والغضب والشهوة والعدل ، وهو أشد من الأوّل ولذا ورد: ( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الأكبر ) لأن النفس كالملك في داخل الإنسان وعسكره الروح الحيوانية والطبيعية والهوى والشهوة ، وهي في نفسها عمياء لا تبصر المهالك ، ولا تميز الخير من الشر إلى أن ينوّر الله بلطيف حكمته بصيرتها فتبصر الأعداء والمعارف وتجد البنيان الإنساني مملوأً من خنازير الحرص وتكالب الكلب ونمر الغضب والشهوة الحمارية وحية الشيطان ، فكنستها من الرذائل وزينتها بالفضائل ، وأما جهاد القلب فتصفيته وقطع تعلقه عن الأغيار ، وجهاد الروح بإفناء الوجود في وجود الواحد القهار ( ثم قال: ) أي عليه الصلاة والسلام ( ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ ) الملاك ما به إحكام الشيء ، أو تقويته من ملك العجين إذا أحسن عجنه وبالغ فيه ، وأهل اللغة يكسرون الميم ويفتحونها والرواية بالكسر ، وذلك إشارة إلى ما ذكر من أوّل الحديث إلى هنا من العبادات وأكده بقوله: ( كله ) لئلا يظن خلاف الشمول أي بما تقوم به تلك العبادات جميعها ( قلت: بلى يا نبي الله ) لا يخفي مناسبة نبي الله بالإخبار كمناسبة الرسالة بالدلالة