جهشت بكسر الهاء وغير همز وهما صحيحان وكلاهما بصيغة الفاعل . والجهش كالإجهاش أن يفزع الإنسان إلى إنسان ويلجأ إليه ومع ذلك يريد البكاء كما يفزع الصبي إلى أمه . ( وركبني عمر ) أي أثقلني عدو عمر من بعيد خوفًا واستشعارًا منه ، كما يقال ركبته الديون أي أثقلته يعني تبعني عمر . ( وإذا هو ) أي عمر وإذا للمفاجأة ، وفي نسخة بالفاء بيان لوصوله إليه أي فنظرت فإذا هو ( على أثري ) فيه لغتان فصيحتان فتحهما وهو الأفصح وكسر الهمزة وسكون الثاء أي عقبي ( فقال رسول الله: مالك رجعت ) وأي شيء رجع بك على هذه الحالة المنكرة ( يا أبا هريرة ؟ قلت: ) وفي نسخة ( فقلت ) ( لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثديي ضربة خررت لإستي فقال: ) أي عمر ( ارجع قال: ) وفي نسخة ( فقال ) بالفاء ( رسول الله: يا عمر ما حملك على ما فعلت ؟ ) أي من الأمر بالرجوع والمنع من التبليغ ( قال ) وفي نسخة ( فقال ) ( يا رسول الله بأبي أنت وأمي ) الباء متعلقة بمحذوف ، قيل: هو اسم تقديره أنت مفدىً بأبي ، وقيل: فعل أي فديتك بأبي وحذف هذا المقدر تخفيفًا لكثرة الإستعمال وعلم المخاطب به . ( أبعثت أبا هريرة بنعليك ) والإستفهام للتقرير والتحقيق ( من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه بشره ؟ ) بصيغة الماضي أي من لقيه بشره ( بالجنة قال: نعم ، قال: ) أي عمر ( فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها ) أي على هذه البشارة الإجمالية ، ويعتمد العامة على هذه الرحمة الجمالية ، ويتركوا القيام بوظائف العبودية التي تقتضي الصفات الربوبية ، وحينئذ ينخرم نظام الدنيا والعقبى حيث أكثرهم يقعون في الملة الإباحية ، كما هو مذهب بعض الجهلة من الصوفية . ( فخلهم ) من غير البشارة ( يعملون ) حال فإن العوام إذا بشروا يتركون العمل بخلاف الخواص فإنهم إذا بشروا يزيدون في العمل كما تقدم ( فقال رسول الله: فخلهم رواه مسلم ) كان المناسب لدأبه أن يقول روى الأحاديث الأربعة مسلم ، قال النووي: في الحديث اهتمام الأتباع بحال متبوعهم ، والإعتناء بتحصيل مصالحه ورفع مفاسده ، وفيه جواز دخول الإنسان ملك غيره بغير إذنه إذا علم أنه يرضى بذلك لمودة بينهما أو غيرها ، فإن أبا هريرة دخل الحائط وأقره النبي على ذلك ولم ينقل أنه أنكر عليه ، وهذا غير مختص بدخول الأرض بل له انتفاع بأدواته وأكل طعامه والحمل من طعامه إلى بيته وركوب دابته ونحو ذلك من التصرف الذي يعلم أنه لا يشق عليه ، اتفق على ذلك السلف والخلف . قال ابن عبد البر: وأجمعوا أنه لا يتجاوز الطعام ونحوه إلى الدراهم والدنانير وأشباهها ، ولعل هذا إنما يكون في الدراهم الكثيرة التي يشك في رضاه بها ، وفيه جواز قول الرجل للآخر بأبي أنت وأمي سواء كان المفدى به مسلمًا أو كافرًا أو حيًا أو ميتًا .