و أنها لا تليق به تعالى كان مؤمنًا حقًا وموقنًا صدقًا فلا تزعزعه شبهة وإن قويت ، ولا تحل عقد قلبه ريبة وإن موّهت ، ولأن من كان إيمانه مشوبًا يقبل الوسوسة ولا يردها ، وقيل: المعنى أن الوسوسة أمارة الإيمان لأن اللص لا يدخل البيت الخالي ، ولذا روي عن علي [ رضي الله عنه ] وكرم الله وجهه: ( إن الصلاة التي لا وسوسة فيها إنما هي صلاة اليهود والنصارى ) ( رواه مسلم ) .
( 65 ) ( وعنه ) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه ( قال: قال رسول الله: يأتي الشيطان ) أي يوسوس إبليس أو أحد أعوانه من شياطين الأنس والجن على طريق التلبيس ( أحدكم فيقول: من خلق كذا ) يعني السماء مثلًا ( من خلق كذا ؟ ) يعني الأرض ، وغرضه أن يوقعه في الغلط والكفر ويكثر السؤال على هذا المنوال ( حتى يقول: من خلق ربك ؟ ) وهو قديم خالق كل شيء ( فإذا بلغه ) ضمير الفاعل لأحدكم ، وضمير المفعول راجع إلى مصدر ( يقول ) أي إذا بلغ أحدكم هذا القول يعني من خلق ربك ، أو التقدير بلغ الشيطان هذا القول ( فليستعذ بالله ) طردًا للشيطان إشارة إلى قوله تعالى: 16 ( { إلا عبادك منهم المخلصين } ) [ الحجر 40 ] وإيماء إلى قوله عليه الصلاة والسلام: ( لا حول ولا قوّة إلا بالله ) فإن العبد بحوله وقوّته ليس له قوّة المغالبة مع الشيطان ومجادلته ، فيجب عليه أن يلتجىء إلى مولاه يعتصم بالله من الشيطان الذي أوقعه في هذا الخاطر الذي لا أقبح منه فيقول بلسانه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ويلوذ بجنانه إلى جنابه أن يدفع عنه شره وكيده فإنه مع اللطف الإلهي لا أضعف منه ولا أذل ، فإنه مشبه بالكلب الواقف على الباب ، ولذا قال تعالى: 16 ( { إن كيد الشيطان كان ضعيفًا } ) [ النساء 76 ] أي بالنسبة إلى القوّة الإلهية فلا ينافي قوله تعالى حكاية: 16 ( { إن كيدكن عظيم } ) [ يوسف 28 ] ( ولينته ) بسكون اللام وتكسر ، أي ليترك التفكر في هذا الخاطر وليشتغل بأمر آخر لئلا يستحوذ عليه الشيطان فإنه إنما أوقعه فيه رجاء أن يقف معه ويتمكن في نفسه فيحصل لها شك وريب في تنزيهه تعالى عن سمات الحدوث وإن دقت وخفيت ، فمن تنبه وكف عن الإسترسال مع ذلك الخاطر وأشغل نفسه حتى انصرفت عنه فقد خلص ومن لا فقد ارتبك فيخشى عليه مزلة القدم في قعر جهنم ، وإنما أمر بذينك دون الإحتجاج والتأمل لأمرين: أحدهما أن العلم باستغناء الله تعالى عن المؤثر والموجد ضروري لا يقبل احتجاجًا ، وإنما ذلك شيء يلقيه الشيطان إما ليحجك إن جادلته لأنه مسلط على القلوب بإلقاء الوساوس عليها ليختبر إيمانها ووساوسه غير متناهية فمتى عارضته بمسلك وجد مسلكًا آخر إلى ما يريده من المغالطة والتشكيك ، وإما ليضيع وقتك ويكدر عيشك إن استرسلت معه ، وإن حججته فلا أخلص لك