فتعبيره بالمحو إنما هو من الترديد الواقع في اللوح إلى تحقيق الأمر المبرم المبهم الذي هو معلوم في أم الكتاب ، أو محو أحد الشقين الذي ليس في علمه تعالى فتأمل فإنه دقيق وبالتحقيق حقيق . ( وقوله بخمسين ألف سنة ) معناه طول الأمد ما بين التقدير والخلق من المدد ، أو تقديره ببرهة من الدهر الذي يوم منه كألف سنة مما تعدون وهو الزمان ، أو من الزمان نفسه ، فإن قلت: كيف يحمل على الزمان ولم يخلق الزمان ولا ما يتحدد به من الأيام والشهور والسنين ؟ قلت: يحمل الزمان حينئذ على مقدار حركة الفلك الأعظم الذي هو العرش وهو موجود حينئذ بدليل أنه ( قال ) أي النبي ( وعرشه على الماء ) وفي المصابيح: ( وكان عرشه على الماء ) يعني كان عرش الله قبل أن يخلق السموات والأرض على وجه الماء ، والماء على متن الريح ، والريح على القدرة ؛ وهذا يدل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلقهما ، وقيل: ذلك الماء هو القلم ، وقيل: فيه دليل لمن زعم أن أول ما خلق الله في العالم الماء وإنما أوجد سائر الأجسام منه تارة بالتلطيف وتارة بالتكثيف . قال ابن حجر: اختلفت الروايات في أول المخلوقات وحاصلها كما بينتها في شرح شمائل الترمذي أن أولها النور الذي خلق منه عليه الصلاة والسلام . ثم الماء ثم العرش . ( رواه مسلم ) .
( 80 ) ( وعن ابن عمر ) [ رضي الله عنهما ] ( قال: قال رسول الله: كل شيء بقدر ) بفتح الدال ، أي بمقدار مرتب مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يوجد في الخارج على حسب ما اقتضته الحكمة ( حتى العجز والكيس ) ) بفتح الكاف ، رُوي برفعهما عطفًا على كل ، أو على أنه مبتدأ حذف خبره أي حتى العجز والكيس كذلك أي كائنان بقدر الله تعالى ، وبجرهما عطفًا على شيء ، قيل: والأوجه أن يكون حتى هنا جارة بمعنى إلى ، لأن معنى الحديث يقتضي الغاية ، لأنه أراد بذلك أن اكتساب العباد وأفعالهم كلها بتقدير خالقهم حتى الكيس الذي يتوسل صاحبه به إلى البغية ، والعجز الذي يتأخر به عنها . وقيل: المراد من العجز هنا عدم القدرة ، أو ترك ما يجب فعله والتسويف به والتأخير عن وقته ، أو العجز عن الطاعة ، والكيس ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور ومعناه: أن العاجز قد قدر عجزه والكيس قد قدر كيسه ، وقيل: الكيس هو كمال العقل وشدة معرفة الأمور وتمييز ما فيه النفع مما فيه الضر والعجز مقابله ، وقيل قوبل الكيس بالعجز على المعنى لأن المقابل الحقيقي للكيس البلادة وللعجز القوّة ، وفائدة هذا الأسلوب تقييد كل من اللفظين بما يقابل الآخر كأنه قيل: حتى الكيس والقوّة والعجز والبلادة من قدر الله تعالى ، فهو رد على من أثبت القدرة والإختيار للعباد لأن