ولا يد لأحد فيه ، ولا يخفي ما في الحديث من الإشارة إلى ما في القرآن: ( وأسجد لك ملائكته ) أي أمرهم أن يسجدوا لك ، أو إليك تعظيمًا . قال ابن عباس: كان سجودهم له انحناء لآخر ورًا على الذقن . وقال ابن مسعود: أُمروا بأن يأتموا به فسجد وسجدوا لله ، فالتقدير: أمرهم بأن يسجدوا لله لأجل سجودك إياه ، أو اللام للتوقيت . وقال أبي بن كعب: خضعوا له وأقروا بفضله فالسجدة لغوية بمعنى الإنقياد . ( وأسكنك ) أي جعلك ساكنًا ، أو جعل لك سكنى ( في جنته ) الخاصة به ، وفيه رد لفظًا ومعنى على المعتزلة حيث قالوا: في بستان من بساتين الدنيا ( ثم أهبطت الناس بخطيئتك ) أي التي صدرت منك غير لائقة بعلو مقامك وهي أكلك من الشجرة وإن كان نسيانًا أو خطأ في الإجتهاد لأن الكمل يعاتبون ويؤاخذون بما لا يؤاخذ به غيرهم ، فإن حسنات الأبرار سيآت المقربين ، أي صرت سببًا لإهباطهم وإنزالهم وإسقاطهم فإنهم وإن لم يكونوا موجودين لكنهم كانوا على شرف الوجود فكأنه جعلهم مهبطين منها . ( إلى الأرض ) متعلق بأهبطت ، يعني أن الله تعالى أنعم عليك بهذه النعم الجليلة وأنت عصيته بأكل الشجرة حتى أخرجت من الجنة بسببها وبقي أولادك في دار المشقة والبلوى والإبتلاء من الله تعالى بالفقر والمرض وغير ذلك ، ولو استمروا في الجنة لم يحصل لهم شيء من ذلك بل كانوا في غاية من النعيم الذي لا نعيم فوقه ، وليس في هذا ما يخل بالأدب مع الأب لأن مقام الإحتجاج يسامح فيه بمثل ذلك . ( قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك ) أي اختارك ( الله برسالاته ) بالجمع لإرادة الأنواع ، أو بالإفراد لإرادة الجنس كما قرىء بالوجهين في قوله تعالى: 16 ( { يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } ) [ الأعراف 144 ] والجمهور على الجمع وليس فيه ما ينفي رسالة آدم لأن كلا ذكر ما هو الأشرف من صفات صاحبه ، وتخصيص الشيء بالذكر لا ينفي ما عداه مع أنه يمكن أن يكون المراد اصطفاه بالجمع بين الرسالة والتكليم ، واختص بذلك لأنه لم يسمع كلام الله القديم أحد في الأرض غيره ، وفيه تلميح إلى قوله تعالى: 16 ( { وكلم الله موسى تكليمًا } ) [ النساء 164 ] ( وبكلامه ) أي بتكليمه إياك ( وأعطاك الألواح ) وهي ألواح التوراة ( فيها تبيان كل شيء ) أي بيانه على وجه المبالغة ، لأن زيادة الحرف تدل على زيادة المعنى ، والجملة استئنافية مبينة أو صفة ، أي الألواح التي فيها إظهار كل شيء مما يحتاج إليه في أمر الدين من الإخبار بالغيوب والقصص والمواعظ والعقائد والحلال والحرام والحدود والأحكام وغير ذلك ، وهذا مستمد من قوله تعالى: 16 ( { وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلًا لكل شيء } ) [ الأعراف 145 ] ( وقربك نجيًا ) النجيّ المناجي يستوى فيه الواحد والجمع ، وهو من يجري بينك وبينه كلام في السر ، أي وكلمك الله من غير واسطة ملك ، أو المعنى وخصك بالنجوى كما قال تعالى: 16 ( { وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيًا } ) [ مريم 52 ] حال من الفاعل أو المفعول . ( فبكم ) مميزه محذوف ، أي فبكم زمانًا ، أو فبأي زمان ( وجدت الله ) أي علمته ، أو صادفت حكمه ( كتب التوراة ) أي أمر بكتب