وهو إنما كان ينزل في الليل ، ويخرج في الصبح فالأولى أن يحمل على أنه كان يريد إدراك ليلة القدر كما هو الظاهر ( فمرني ) أمر من أمر مخففًا ( بليلة ) زاد في المصابيح من هذا الشهر يعني شهر رمضان ( أنزلها ) بالرفع على أنه صفة ، وقيل: بالجزم على جواب الأمر أي أنزل تلك الليلة من النزول بمعنى الحلول ، وقال الطيبي: أي أنزل فيها قاصدًا أو منتهيًا ( إلى هذا المسجد ) إشارة إلى المسجد النبوي ولعله قصد حياة فضيلتي الزمان والمكان ( فقال: أنزل ليلة ثلاث وعشرين ) لو صح الحديث لزم تعيين ليلة القدر ، إذا ثبت أن نزوله لطلب ليلة القدر ولا محيص عنه إلا بالقول بانتقالها في كل سنة ، أو في كل رمضان أو في كل عشر أو يكون الجواب على غلبة الظن أو يقال نزوله كان لمجرد زيارة المسجد النبوي والتخصيص بتلك الليلة لمناسبة مكان السائل ، أو حاله والله أعلم . ( قيل لإبنه ) أي ضمرة ( كيف كان أبوك يصنع ) أي في نزوله ( قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر ) أي يوم الثاني والعشرين من رمضان ( فلا يخرج منه لحاجة ) أي من الحاجات الدنيوية إغتنامًا للخيرات الأخروية أو لحاجة غير ضرورية وأغرب ابن حجر بقوله: فلا يخرج منه لحاجة فضلًا عن غيره ووجه الغرابة أنه لا يصح على الإطلاق فإنه إذا أريد بالحاجة الضرورة الإنسانية فلا يستقيم وإذا أريد بالحاجة الدنيوية فلا ينتظم ثم قال مستشعرًا للإعتراض الوارد عليه وقوله: لحاجة يحتمل بقاؤه على عمومه ولا مانع من أن المتربص يبقى وضوءه من العصر وأن يريد بها ما عدا حاجة الإِنسان البول والغائط لأن الغالب أن الإِنسان لا يصبر عنها تلك المدة ومن ثم جاء في رواية إلا في حاجة أي معهودة إذ التنكير قد يكون للعهد ، وهي أحد ذينك وعلى الاحتمال الثاني لا تنافي بين الروايتين لأن لحاجة في الأولى المراد بها غير ذينك وإلا لحاجة في الثانية ، المراد بها هما ، بخلافه على الاحتمال الأول ، فإن بينهما تنافيًا وضرورة الجمع بين الروايتين ، المتنافيتين يعين الاحتمال الثاني دفعًا للتعارض بين الروايتين . اه . وهو تطويل لا طائل تحته ، لأن الحاجة بالتنكير في الروايتين ، وفي تعليلية بمعنى اللام فلا تنافي في الروايتين إلا باعتبار وجود إلا وعدمها ، وقد تقدم الفرق بينهما قال الطيبي كذا في سنن أبي داود وجامع الأصول وفي شرح السنة والمصابيح ، فلم يخرج إلا في حاجة والتنكير في حاجة للتنويع فعلى الأوّل لا يخرج لحاجة منافية للإعتكاف كما سيجيء في باب الاعتكاف في حديث عائشة ، وعلى الثاني فلا يخرج إلا في حاجة يضطر إليها المعتكف . اه . ولا يلزم منه الإعتكاف مع أنه يمكن حمله على المعنى اللغوي أو على الاعتكاف النفلي عند من يجوزه ( حتى يصلي الصبح ) يشير إلى أنها ليلة القدر قاله ابن الملك ( فإذا صلى الصبح وجد دابته على باب المسجد فجلس عليها ولحق بباديته ) وفي نسخة باديته ( رواه أبو داود ) أي من طريق ضمرة بن عبد الله بن أنيس عن أبيه وفي سنده محمد بن إسحاق وحديثه يصح إذا صرح بالتحديث ، وأصل هذا الحديث في مسلم من طريق بشر بن سعيد كما تقدم في الفصل الأوّل نقله ميرك عن التصحيح .