كانوا عليه من الورع والزهد لأنهم أحبوا ما به الكفاية لا أزيد من ذلك وهذه المحبة لا تنافي الزهد فضلًا عن الورع فمع كون الناقتين زائدًا على الكفاية بحسب الظاهر ، لا يلائمه الجواب بأنه ( قال أفلا يغدو ) أي ألا يترك ذلك فلا يغدو وما أبعد تقدير ابن حجر أي إذا كنتم كذلك أفلا يغدو ( أحدكم إلى المسجد فيعلم ) بالتشديد وفي نسخة صحيحة بالتخفيف ( أو يقرأ ) [ بالرفع والنصب فيهما ] قال ميرك: هذه الكلمة يحتمل أن تكون عرضًا أو نفيًا ، وفيه أن الفاء مانعة من كونها للعرض ثم قال: وقوله فيعلم أو يقرأ منصوبان على التقدير الأوّل مرفوعان على الثاني قلت ويجوز نصبهما على الثاني أيضًا لأنه جواب النفي ثم قال ويعلم من التعليم في أكثر نسخ المشكاة وصحح في جامع الأصول من العلم ، وكلمة أو يحتمل الشك والتنويع . اه . وفي الشرح أنه صحح في جامع الأصول ، فيعلم بفتح الياء وسكون العين فأوشك [ من ] الراوي دفعًا لتوهم كونه من التعليم ، فيكون أو للتنويع [ كذا ] ذكره الطيبي وعلى التنويع قوله ( آيتين من كتاب الله ) تنازع فيه الفعلان وقوله ( خير ) خبر مبتدأ محذوف ، أي هما أو الغد وخير ( له من ناقتين وثلاث ) أي من الآيات ( خير له من ثلاث ) أي من الإِبل ( وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن ) جمع عدد ( من الإبل ) بيان للأعداد قيل: من أعدادهن متعلق بمحذوف تقديره وأكثر من أربع آيات ، خير من أعدادهن من الإبل ، فخمس آيات خير من خمس إبل وعلى هذا القياس وقيل: يحتمل أن يراد أن آيتين خير من ناقتين ، ومن أعدادهما من الإبل وثلاث خير من ثلاث ومن أعدادهن من الإبل ، وكذا أربع والحاصل أن الآيات تفضل على أعدادهن من النوق ، ومن أعدادهن من الإبل كذا ذكره الطيبي ويوضحه ما قيل: أنه يتعلق بقوله وآيتين وثلاث وأربع ومجرور أعدادهن عائد إلى الأعداد التي سبق ذكرها ، ومن الإبل بدل من أعدادهن أو بيان له يعني آيتان خير من عدد كثير من الإبل ، وكذلك ثلاث وأربع آيات منه لأن قراءة القرآن تنفع في الدنيا والآخرة نفعًا عظيمًا بخلاف الإبل . اه . والحاصل أنه عليه الصلاة والسلام أراد ترغيبهم في الباقيات وتزهيدهم عن الفانيات ، فذكره هذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى فهم العليل ، وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن يقابل بمعرفة آية من كتاب الله تعالى ، أو بثوابها من الدرجات العلى ، وقد وقع نظير هذا الشيخ مشايخنا أبي الحسن البكري قدس الله سره السري حيث التمس منه أصحابه من التجار نزوله من مكة إلى بندر جدة أيام إتيان الغرباء من سفر البحار معللين بأنهم يريدون حصول بركة نزوله إلى تجارتهم ومكمنين بأن يحصل لخدم الشيخ بعض منافع بضاعتهم ، فأبى وأتى بأعذار ساترة للأسرار فما فهموا وألحوا وبالغوا في المسألة مع الاصرار فقال الشيخ: ما مقدار فائدة ربحكم في هذا السفر ، وكم أكثر ما يحصل لكم فيه من النتيجة والأثر ؟ فقالوا يختلف باختلاف الأحوال وتفاوت الأموال وأكثر الربح أن يصير الدرهم درهمين ويكون الواحد اثنين فتبسم الشيخ وقال: إنكم تتعبون هذا التعب الشديد لهذا الربح الزهيد فنحن ، كيف نترك مضاعفة الحسنات بالحرم وهي حسنة بمائة ألف على لسان النبي فقد علم كل أناس مشربهم وهم مختلفون ، وكل حزب بما لديهم