هذا الحديث فليس في الحقيقة من أقسام الصفات ولكن ألفاظ مشاكلة لها في وضع الاسم ، قوجب تخريجه على وجه يناسب نسق الكلام . قيل: المتشابه قسمان: الأول لا يقبل التأويل ولا يعلم تأويله إلا الله كالنفس في قوله: 16 ( { ولا أعلم ما في نفسك } ) [ المائدة 116 ] والمجيء في 16 ( { جاء ربك } ) [ الفجر 22 ] وفواتح السور ، والثاني: يقبله . ذكر شيخ الشيوخ السهروردي قدس الله سره أخبر الله ورسوله بالإستواء والنزول واليد والقدم والتعجب وكل ما ورد من هذا القبيل دلائل التوحيد فلا يتصرف فيه بتشبيه وتعطيل . قيل: هذا هو المذهب المعوّل وعليه السلف الصالح ، ومن ذهب إلى القول الأوّل شرط في التأويل أن كل ما يؤدي إلى تعظيم الله فهو جائز وإلا فلا . قال ابن حجر: أكثر السلف لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم يفوّضون علمها إلى الله تعالى مع تنزيهه سبحانه عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته ، وأكثر الخلف يؤوّلونها بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس لإضطرارهم إلى ذلك لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم ، ومن ثم قال إمام الحرمين: لو بقي الناس على ما كانوا عليه لم نؤمر بالإشتغال بعلم الكلام . وأما الآن فقد كثرت البدع فلا سبيل إلى ترك أمواج الفتن تلتطم .
وأصل هذا اختلافهم في الوقف في قوله تعالى: 16 ( { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } ) [ آل عمران 7 ] فالأكثرون على الوقف على الجلالة ، والأقلون على الوقف على العلم ومن أجلهم ابن عباس فكان يقف عليه ويقول حملًا للناس على سؤاله والأخذ عنه: أنا من الراسخين في العلم ؛ على أنه يمكن رفع الخلاف بأن المتشابه على قسمين: ما لا يقبل تأويلًا قريبًا فهذا محمل الوقف الأول ، وما يقبله فهذا محمل الثاني . ومن ثم اختار بعض المحققين قبول التأويل إن قرب من اللفظ واحتمله وضعًا ورده إن بعد عنه . والحاصل أن السلف والخلف مؤوّلون لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره ، ولكن تأويل السلف إجمالي لتفويضهم إلى الله تعالى وتأويل الخلف تفصيلي لإضطرارهم إليه لكثرة المبتدعين . ( بين أصبعين ) بكسر الهمزة وفتح الباء هو المشهور وإلا ففيه تسع لغات ، قال في القاموس: الأصبع مثلث الهمزة والباء ( من أصابع الرحمن ) إطلاق الأصبع عليه تعالى مجاز ، أي تقليب القلوب في قدرته يسير ، يعني أنه تعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء لا يمتنع منها شيء ولا يفوته ما أراده ، كما يقال: فلان في قبضتي أي كفي لا يراد أنه في كفه ، بل المراد أنه تحت قدرتي وفلان بين أصبعي أقلبه كيف شئت ، أي أنه هين عليّ قهره والتصرف فيه كيف شئت . وقيل: المراد بأصبعين صفتا الله وهما صفة الجلال والإكرام ، فبصفة الجلال يلهمها فجورها وبصفة الإكرام يلهمها تقواها ، أي يقلبها تارة من فجورها إلى تقواها وتارة من تقواها إلى فجورها ، وقيل: معناه بين أثرين من آثار رحمته وقهره ، أي قادر أن يقلبها من حال إلى حال [ من الإيمان ] والكفر والطاعة والعصيان . قال القاضي: نسب تقليب القلوب إليه تعالى