فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
جميع ما أنعمت به عليه إلى ما خلق لأجله من طاعتي فلا يستعمل سمعه وغيره من مشاعره إلا فيما يرضيني ، ويقربه مني ، فلا يتوجه لشيء إلا وأنا منه بمرأى ، ومسمع فأناله سمع وعين ويد ورجل وعون ووكيل وحافظ ونصير . كما هو جلى عند أئمة العرفان دون غيرهم إذ لا يؤمن عليهم لضيق العبارة عما يوهم لغير ذوي الإشارة من الأغاليط ، التي هي الحلول والاتحاد والانحلال عن رابطة الشرع لملجئه إلى مضايق الضلال ، ومن هذا يتضح لك قاعدة مهمة وهي: إن ما أشكل عليك من عبارات الأولياء فإن أمكن تأويلها فبادر إليه ، كقول أبي يزيد: ليس في الجية غير الله . فإن لم يكن فإن صدرت في مقام غيبه ، فلا حرج على قائلها لأنه غير مكلف حينئذ ، وكذا إن وقع الشك في ذلك وإن صدرت مع تحقيق صحوه ، أقيم عليه حكمها الشرعي إذ الولي ليس بمعصوم والمحفوظ ربما فرط منه ما عوقب به ثم عاد إليه حاله ( وإن سألني لأعطينه ) بالتأكيد . وفي التعبير بأن دون إيماء إلى أنه قد يصل إلى مقام يترك فيه السؤال اتكالًا على عمله بالحال ، أو لأنه لا يطلب غير الملك المتعال ( ولئن استعاذني ) قال العسقلاني: ضبطناه بوجهين الا شهر بالنون بعد الذل المعجمة والثاني بالموحدة ( لأعيذنه ) أي مما يخاف من البعد ( وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن ) وفي نسخة عن قبض نفس المؤمن وقال ابن حجر كما في رواية: قيل التردد هو التخير بين أمرين لا يدري أيهما أصلح . وهو محال على الله سبحانه فاوّلوه على ترديد الأسباب والوسائط ، وجعلوا قصة موسى عليه السّلام مع ملك الموت سندًا لقولهم . وقيل: المراد من لفظ التردد إزالة كراهة الموت عن المؤمن بما يبتليه الله به من المرض ، والفاقة ، وغيرهما ، فأخذه المؤمن عما تشبث به من حب الحياة شيئًا فشيئًا بالأسباب التي ذكرنا يشبه فعل المتردد من حيث الصفة فعبر عنه بالتردد . وقال القاضي: التردد تعارض الرأيين وترادف الخاطرين . وهو وإن كان محالًا في حقه تعالى إلا أنه أسند إليه باعتبار غايته ومنتهاه الذي هو التوقف . والتأني في الأمر ، وكذلك في سائر ما يسند إلى الله تعالى من صفات المخلوقين كالغضب والحياء والمكر . والمعنى ما أخرت وما توقف المتردد في أمر أنا فاعله إلا في قبض نفس عبدي المؤمن ، أتوقف فيه وأريه ما أعددت له من النعم والكرامات حتى يسهل عليه ، ويميل قلبه إليه شوقًا إلى أن ينخرط في سلك المقربين ويتبوّأ في أعلى عليين ( يكره الموت ) استئناف جوابًا عما يقال ما سبب التردد . والمراد أنه يكره شدة الموت بمقتضى طبعه البشري ، لأن نفس الموت تحفة المؤمن يوصله إلى لقاء الله ، فكيف يكرهه المؤمن ( وأنا أكره مساءته ) قال ابن الملك: أي إيذاءه بما يلحقه من صعوبة الموت وكربه ، وقال ابن حجر: أي أكره ما يسوءه لأني أرحم به من والديه . لكن لا بد له منه لينتقل من دار الهموم والكدورات إلى دار النعيم والمسرات . فعلته به إيثارًا لتلك النعمة العظمى ، والمسرة الكبرى . كما أن الأب الشفوق يكلف الابن بما يكلفه من العلم وغيره ، وإن شق عليه نظر الكمالة الذي يترتب على ذلك ا ه . وهو خلاصة كلام الطيبي وحاصل كلامهم أن إضافة المساءة من باب إضافة المصدر إلى مفعوله . وفيه أنه لو كرهه تعالى لما وجد في الخارج ، إذ وجود