والأوصال وأعلم أن الله تعالى قهر نفوس العابدين بحقوق عبوديته وقلوب العارفين بسطوة قربته ، وأرواح الواجدين بكشف حقيقته . فالعابد بلا نفس لاستيلاء سلطان أفعاله عليه . والعارف بلا قلب لاستيلاء سلطان اقباله عليه ، والواجد بلا روح لاستيلاء كشف جماله وجلاله ، فمتى أراد العابد خروجه عن قيد مجاهدته قهرته سطوة العتاب فردته إلى بذل المهجة . ومتى أراد العارف خروجه عن مطالبات القربة قهرته بوادي الهيبة فردته إلى توديع المهجة فشتان بين عبد [ هو ] ومقهور أفعاله وعبد هو مقهور جلاله وجماله ( الوهاب ) أي كثير النعمة دائم العطية قال تعالى: 16 ( { وما بكم من نعمة فمن الله } ) [ النحل 53 ] 16 ( { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ) [ النحل 18 ] والهبة الحقيقية هي الخالية عن غرض الأعراض والأغراض ، فإن المعطي لغرض مستعيض وليس بواهب فهو من أسماء الأفعال ( تنبيه ) الفتاح متأخر عن الرّزاق ) فتاح ) أي الحاكم بين الخلائق من الفتح ، بمعنى الحكم ومنه قوله تعالى: 16 ( { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } ) [ الأعراف 89 ] لأن الحكم يفتح الأمر المعلق بين الخصمين والله سبحانه بين الحق ، وأوضحه وبين الباطل وأدحضه ببعث الرسل ونزل الكتب ونصب الحجج النقلية والعقلية ، ومرجعه إلى العلم . وقيل الذي يفتح خزائن الرحمة على أصناف البرية ومنه قوله عز وجل 16 ( { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ) [ الأنعام 59 ] وقوله تعالى: 16 ( { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها } ) [ فاطر 2 ] وقيل الفتاح من الفتح وهو الإفراج من الضيق الحسي والمعنوي ، كالذي يفرج تضايق الخصمين في الحق بحكمه . وعن بعض الصالحين الفتاح هو الذي لا يغلق وجوه النعمة بالعصيان ، ولا يترك إيصال الرحمة إليهم بالنسيان ، وقيل هو الذي يفتح قلوب المؤمنين بمعرفته ، وفتح على العاصين أبواب مغفرته . وقيل هو الذي فتح على النفوس باب توفيقه ، وعلى الأسرار باب تحقيقه . وحظك منه أن تسعى في الفصل بين الناس ، وأن تنصر المظلومين ، وأن تهتم بتيسير ما تعسر على الخلق من أمور الدنيا والدين ، حتى يكون لك حظ من هذا الاسم ، قال القشيري: من علم أنه الفتاح للأبواب ، الميسر للأسباب ، الكافي للحضور ، والمصلح للأمور فإنه لا يتعلق بغيره قلبه ، ولا يشتغل بدونه فكره ، لا يزيد بلاء ويزيد بربه ثقة ورجاء ، وأعلم أنه تعالى يفتح للنفوس بركات التوفيق ، وللقلوب درجات التحقيق ، فبتوقيعه تزين النفوس بالمجاهدات وبتحقيقه تزين القلوب بالمشاهدات ، ومن آداب من علم أنه الفتاح أن يكون حسن الانتظار لنيل كرمه مستديم التطلع لوجود لطفه ساكنًا تحت جريان حكمه ، علمًا بأنه لا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم ، قال رجل وهو مؤذن على الجارية لعلي كرّم الله وجهه أني أحبك فذكرته لعلي فقال قولي له أنا أيضًا أحبك ، فما بعد ذلك ، فقالت له ذلك ، فقال: إذًا نصبر حتى يحكم الله بيننا ، فذكرت ذلك لعلي فدعاه فسأله عن القصة ، فأخبره بالصدق ، فقال: خذها فهي لك ، قد حكم