الأول: أصحاب السوابق فتكوزن فكرتهم أبدًا فيما سبق لهم من الرب في الأزل يعلمون أن الحكم الأزلي لا يتغير باكتساب .
الثاني: أصحاب العواقب يتفكرون فيما يختم به أمرهم فإن الأمور بخواتيهما ، والعاقبة مستورة ولهذا قيل لا يغرنك صفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات . فكم من مريد لاحت عليه أنوار الإرادة ، وظهرت عليه آثار السعادة ، وانتشر صيته في الآفاق وظنوا أنه من جملة أوليائه بالإطلاق ، بدل بالوحشة صفاؤه وبالغيبة ضياؤه وأنشدوا: %(
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت %
ولم تخف سوء ما يأتي به القدر )% %(
وسالمتك الليالي فاغتررت بها %
وعند صفو الليالي يحدث الكدر )%
والثالث: أصحاب الوقت وهم لا يشتغلون بالتفكر في السوابق ، واللواحق ، بل بمراعاة وقته وأداء ما كلفوا به من حكمه . وقيل العارف ابن وقته .
والرابع: أصحاب الشهود وهم الذين غلب عليهم ذكر الحق فهم مأخوذون بشهود الحق عن مراعاة الأوقات لا يتفرغون إلى مراعاة وقت وزمان ولا يتطلعون لشهود حين وأوان . وقيل أصله المنع وسمي العلوم حكمًا لأنها تمنع صاحبها عن شيم الجهال ( العدل ) أي البالغ في العدالة . وهو الذي لا يفعل إلا ما له فعله . وقيل العدل خلاف الجور ، وهو في الأصل مصدر أقيم مقام الصفة ، وهو العادل وهو ، أبلغ منه لأنه جعل المسمى نفسه عدلًا فهو من صفات الأفعال . وقال بعضهم: هو البريء من الظلم في أحكامه المنزه عن الجور في أفعاله ، وحظك منه أن تشهد أنه عدل في أقضيته فلا تجد في نفسك جزعًا من أحكامه ولا حرجًا من نقضه وإبرامه ، فتستريح بالاستسلام إليه وبالتوكل والاعتماد عليه ، وترى الكل منه حقًا وعدلًا وتستعمل كل ما وصل إليك منه فيما ينبغي أن يستعمل فيه شرعًا وعقلًا وتخاف سطوة عدله ، وترجو رأفة فضله ، ولا تأمن من مكره ، ولا تيأس من فضله ، وتجتنب في مجامع أمورك طرفي الإفراط والتفريط ، كالفجور والخمود في الأفعال الشهوية والتهوّر والجبن في الأفعال الغضبية . وتلازم أوساطها ، التي هي العفة ، والشجاعة ، والحكمة ، المعبر عن مجموعها بالعدالة لتندرج تحت قوله: 16 ( { وكذلك جعلناكم أمة وسطًا } ) [ البقرة 143 ] ( اللطيف ) أي البر بعبادة الذي يوصل إليهم ما ينتفعون به في الدارين ويهيء لهم ما يسعون به إلى المصالح من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون . فهو من أسماء الأفعال . وقيل هو كالجميل بمعنى المجمل . وقيل العالم بخفيات الأمور وما لطف منها . وقيل هو الخفي عن الإدراك . قال ابن عطاء في حكمه: من ظن انفكاك لطف عن قدره فذلك القصور نظره ومن التخلف بهذا الاسم أن يتلطف بالخلق