الإشهاد والإعتراف تمثيلًا وتخييلًا لا قول ثمة ولا شهادة حقيقة ، أقول: لا منع من الجمع وبه يلتئم العقل والسمع ، قال المولى العلامة قطب الدين الشيرازي رحمه الله: قد تقرر في بداية العقول أن بني آدم من ظهر آدم ، فيكون كل ما أخرج من ظهور بني آدم فيما لا يزال هم الذين قد أخرجهم الله تعالى في الأزل من ظهر آدم وأخذ منه الميثاق الأزلي ليعرف منه أن هذا النسل الذي يخرج فيما لا يزال من أصلاب بني آدم هو الذر الذي أخرج في الأزل من صلب آدم وأخذ منهم الميثاق الأوّل وهو المقالي الأزلي ، كما أخذ منهم فيما لا يزال بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الثاني وهو الحالي اللايزالي ؛ فلله سبحانه ميثاقان مع بني آدم أحدهما تهتدي إليه العقول من نصب الأدلة الباعثة على الإعتراف الحالي ، وثانيهما المقالي الذي لا تهتدي إليه العقول بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال العباد من الآزال إلى الآباد كالأنبياء ، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يعلم الأمة بأن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه ميثاقًا آخر أزليًا ، فقال ما قال: ( من مسح ظهر آدم في الأزل ) الخ وهو في غاية التحقيق ونهاية التدقيق والله أعلم .
( 122 ) ( وعن أبي بن كعب ) رضي الله عنه ( في قول الله عزَّ وجلّ ) أي في تفسير قوله تعالى: ( 16( { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم } ) ) وفي نسخة صحيحة ، ذرياتهم ، وهما قراءتان متواترتان ( قال: ) أي أبيّ ( جمعهم ) أي الله بعد أن أخرجهم ( فجعلهم أزواجًا ) أي ذكورًا وإناثًا ، أو أصنافًا وهو الأظهر ولذا قال الطيبي: أي أراد جعلهم أصنافًا ، وفسر الأصناف بقوله الآتي: ( فرأى الغني والفقير ) ( ثم صوّرهم ) أي على صورهم التي يكونون عليها بعد ( فاستنطقهم ) أي خلق فيهم العقل وطلب منهم النطق ( فتكلموا ) بما شاء الله ، أو بما سيأتي ( ثم ) أي بعد التصوير والإستنطاق بحكم تقدير الخلاق ( أخذ عليهم العهد ) أي بالتوحيد ( والميثاق ) وهو توكيد العهد بالإقرار ، أو المراد بالعهد 16 ( { لئن جاءتهم الرسل ليؤمنن بهم } ) والميثاق الإيمان المؤكدة ليوفن بذلك ( وأشهدهم على أنفسهم ) أي على ذواتهم أو بعضهم على بعض ، أو قال لهم اشهدوا على أنفسكم وعلى كل تقدير يؤيد قول من يقول: شهدنا بقولهم ( ألست بربكم ؟ ) إما استئناف بيان ، وإما التقدير أشهدهم بقوله: 16 ( { ألست بربكم } ) أي استشهدهم بهذا ( قالوا: بلى ) كذا في أكثر النسخ المصححة ، وفي بعضها متروك لفظًا وإن كان مقدرًا معنى إذ المعنى قالوا: بلى شهدنا ( قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع ) أي نفسها بأن ركب فيها عقولًا مع أن المحققين على أن لجميع الموجودات علمًا بموجدها ، أي نفسها أو أهلها