فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 6013

في يوم وليلة . ولما صنف كتاب الرسالة أعجب به أهل عصره ، وأجمعوا على استحسانه وأنه من الخوارق ، حتى قال المزني: (( قرأته خمسمائة مرة ما من مرة إلا وقد استفدت منه شيئًا لم أكن غرفته ) ) ، وكان أحمد يدعو له في صلاته لما رأى اهتمامه بنصر السنة . وصنف في العراق كتابه القديم المسمى بالحجة ، ثم رحل إلى مصر سنة تسع وتسعين ومائة وصنف كتبه الجديدة بها ، ورجع عن تلك ومجموعها يبلغ مائة وثلاثة عشر مصنفًا ، وسار ذكرها في البلدان وقصده الناس من الأقطار للأخذ عنه ، وكذا أصحابه من بعده لسماع كتبه حتى اجتمع في يوم على باب الربيع تسعمخائة راحلة . وابتكر أصول الفقه وكتاب القسامة وكتاب الجزية وقتال أهل البغي ، وكان حجة في اللغة والنحو ، وأذن له مسم بن خالد مفتي مكة في الإفتاء بها وعمره خمس عشرة سنة ، وربما أوقد له المصباح في الليلة ثلاثين مرة ولم يبقه دائم الوقود . قال ابن أخته من أمه: (( لأن الظلمة أجلى للقلوب ) ) ، وكان يقول: (( إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي الحائط ) ) . وانفرد بالإعراض على التمسك بالحديث الضعيف في غير الفضائل . > ومن كلامه الدال على إخلاصه: (( وددت أن كل ما تعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدوني قط ، ووددت إذا [ ما ] ناظرت أحدًا أن يظهر الحق على يديه ) ) ، ومن حكمه البالغة: ( ( طلب العلم أفضل من صلاة الناقلة ، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم - أي مع العمل - ما أفلح من العلم إلا من طلبه في الذلة ، ولقد كنت أطلب القرطاس فيعز علي ، لا يتعلم أحد هذا العلم بالملك وعزة النفس فيفلح ، ولكن من طلبه بذلة النفس وضيق العيش أفلح ، تفقه قبل أن ترأس ، فإذا ترأست فلا سبيل إلى التفقه ، زينه العلم الورع والحلم ، لا عيب في العلماء أقبح من رغبتهم فيما زهدهم الله فيه ، وزهدهم فيما رغبهم الله فيه ، فقر العلماء فقر اختيار ، وفقر الجهال فقر اضطرار ، الناس في غقلة من سورة ^( والعصر إن الإنسان لفي خسر ) [ العصر 1 - 2 ] ، من لم تعزه التقوى فلا تقوى له ، ما فرغت من العلم قط ، طلب فضول الدنيا عقوبة عاقب الله بها أهل التوحيد ، من غلبته سدة الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها ، ومن رضي بالقنوع زال عنه الخضوع ، لا يعرف الرباء إلا المخلصون ، لو اجتهدت كل الجهد على أن ترضي الناس كلهم فلا سبيل لذلك فأخلص عملك ونيتك لله ، لو أوصى رجل بشيء لأعقل الناس كلهم فلا سبيل لذلك فأخلص عملك ونيتك الله ، لو أوصى رجل بشيء لأعقل الناس صرف للزهاد ، سياسة الناس أشد من سياسة الدواب ، العاقل من عقله عقله عن كل مذموم ، ومن نم لك بن بك ، من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه ، ومن وعظه علانية فقد فضحه ، التواضع من أخلاق الكرام ، والتكبر من شيم اللئام ، أربع الناس قدرًا من لا يرى قدره ، الشفاعات زكاة المروآت ، من ولي القضاء فلم يفتقر فهو لص ، لا بأس للفقيه أن يكون معه سفيه يسافه به ، مداراة الأحمق غاية لا تدرك ، الانبساط إلى الناس مجلبة لقرناء السوء ، والانفراد عنهم مكسبة للعداوة ، فكن بين المنقبض والمنبسط ، لأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت