المجهول ( فيهم القتل ) أي قتلهم الجيش ، ولم يبالوا بسجودهم ظانين أنهم يستعيذون من القتل بالسجود ( فبلغ ذلك ) أي خبر قتلهم ( النبي فأمر لهم بنصف العقل ) قال الخطابي: إنما لم يكمل لهم الدية بعد علمه عليه الصلاة والسلام بإسلامهم ؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار ، وكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره ، فتسقط حصة جنايته من الدية ( وقال: أنا بريء من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين ) أي بينهم وأظهر مقحم قال التوربشتي: يحتمل أن يكون المراد منه البراءة من دمه ، وأن يكون البراء من موالاته ( قالوا: يا رسول الله لم ) بحذف ألف ما الاستفهامية ؛ أي لأي شيء تكون بريئًا ، أو أمرت بنصف العقل ( قال: لا تتراءى ناراهما ) استئناف فيه تعليل . وإسناد الترائي مجاز ، والنفي معناه النهي أي يتباعد منزلاهما ، حتى لا تتراءى ناراهما . قال الطيبي: هو علة لبراءته يعني لا يصح ، ولا يستقيم للمسلم أن يساكن الكافر ويقرب منه ، ولكن يبعد بحيث لا تتراءى ناراهما ، فهو كناية عن البعد البعيد . وذكروا فيه وجوهًا: أولها قال أبو عبيدة: أي لا ينزل المسلم بالموضع الذي يرى ناره المشرك إذا أوقد ، ولكن ينزل مع المسلمين في دارهم ، لأن المشرك لا عهد له ، ولا أمان . وثانيهما قال أبو الهيثم: أي لا يستسم المسلم بسمة المشرك ، ولا يشبه به في هديه وشكله ، ولا يتخلق بأخلاقه من قولك: ما نار نعمك أي ما سمتها ؟ وثالثها قال أبو حمزة: أي لا يجتمعان في الآخرة ، لبعد كل منهما عن صاحبه . ورابعها قال الفائق: معناه يجب عليهما أن يتباعد منزلاهما بحيث إذا أوقدت فيهما نار إن لم تلح إحداهما للأخرى . وإسناد الترائي إلى النار ، كقولهم دور بني فلان متناظرة . والترائي تفاعل من الرؤية يقال: تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضًا . قلت: ومنه قوله تعالى: 16 ( { فلما تراءى الجمعان } ) [ الشعراء 61 ] و 16 ( { تراءت الفئتان } ) [ الأنفال 48 ] وخامسها قال القاضي: أي ينبغي أن لا يسكن مسلم حيث سكن كافر ، ولا يدنو منه بحيث تتقابل ناراهما ، وتقرب إحداهما من الأخرى ، حتى يرى كل منهما نار الآخر ، فنزل رؤية الموقد منزلة رؤيتها إن كان لها ، وهو من قول أبي عبيدة . وسادسها قال التوربشتي: أراد نار الحرب أي هما على طرفين متباعدين ، فإن المسلم يحارب لله ولرسوله مع الشيطان وحزبه ، ويدعو إلى الله بحزبه . والكافر يحارب الله ورسوله ، ويدعوا إلى الشيطان . فكيف يتفقا ويصلح أن يجتمعا ؟ قال الخطيب: فيه دليل على أن المسلم إن كان أسيرًا في أيدي الكفار ، وأمكنه الخلاص والانفلات منهم ، لم يحل له المقام معهم . وإن حلفوه أن لا يخرج ، كان الواجب أن يخرج إلا أنه إن كان مكرهًا على اليمين ، لم تلزمه الكفارة . قلت: وعندنا تلزمه الكفارة ( رواه أبو داود ) .