فهرس الكتاب

الصفحة 3469 من 6013

شك أن هذا الحكم وهو درء الحد مجمع عليه وهو أقوى ، وكان ذكر هذه الأحاديث ذكر المستند الإجماع . وفي مسند أبي حنيفة عن مقسم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى عليه تعالى وسلم: ( ادرؤا الحدود بالشبهات ) وأسند ابن أبي شيبة عن إبراهيم هو النخعي قال: قال عمر بن الخطاب: ( لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إليّ من أن أقيمها بالشبهات ) . وأخرج عن معاذ وعبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر قالوا: إذا اشتبه عليك الحد فادرأ . ونقل ابن حزم عن أصحابه الظاهرية ، أن الحد بعد ثبوته لا يحل أن يدرأ بشبهة ، وشنع بأن الآثار المذكورة لإثبات الدرء بالشبهات ليس فيها عن رسول الله صلى الله عليه تعالى وسلم شيء ، بل عن بعض الصحابة ، من طرق لا خير فيها ، وأعل ما عن ابن مسعود مما رواه عبد الرزاق عنه بالإرسال ، وهو غير رواية ابن أبي شيبة ، فإنها معلولة بإسحاق بن أبي فروة . وأما التمسك بما في البخاري ، من قوله عليه الصلاة السلام: ( ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان والمعاصي حمى الله تعالى ، ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) ، فإنما معناه إن من جهل حرمة شيء وحله ، فالورع أن يمسك عنه ، ومن جهل وجوب أمر وعدمه ، فلا يوجبه ، أوجب الحد أم لا ، وجب أن يقيمه . ونحن نقول: إن الإرسال لا يقدح وإن الموقوف في هذا له حكم المرفوع ، لأن إسقاط الواجب بعد ثبوته بشبهة خلاف مقتضى العقل ، بل مقتضاه إن بعد تحقق الثبوت ، لا يرتفع بشبهة فحيث ذكر صحابي حمل على الرفع ، وأيضًا في إجماع فقهاء الأمصار على أن الحدود تدرأ بالشبهات كفاية ، ولذا قال بعض الفقهاء: هذا الحديث متفق عليه . وأيضًا تلقته الأمة بالقبول ، ففي تتبع المروي عن النبي والصحابة ما يقطع في المسألة فقد علمنا أنه عليه الصلاة والسلام قال لماعز: ( لعلك قبلت ، لعلك غمزت ، لعلك لمست ) . كل ذلك يلقنه أن يقول: نعم ، بعد إقراره بالزنا ، وليس لذلك فائدة إلا كونه إذا قالها تركه وإلا فلا فائدة ، ولم يقل لمن اعترف عنده بدين ، لعله كان وديعة عندك فضاعت ونحوه ، وكذا قال للسارق الذي جيء به إليه: ( أسرقت ، ما أخاله سرق ) . وللغامدية نحو ذلك ، وكذا قال علي لشراجه: لعله استكرهك ، لعله وقع عليك وأنت نائمة ، لعل مولاك زوّجك منه وأنت تكتمينه ، وتتبع مثله عن كل أحد يوجب طولًا . فالحاصل من هذا كله ، كون الحد يحتال في درئه بلا شك ، ومعلوم أن هذه الاستفسارات المفيدة لقصد الاحتيال للدرء ، كلها كانت بعد الثبوت ، لأنه كان بعد صريح الإقرار ، وبه الثبوت ، وهذا هو الحاصل [ من هذه الآثار ، ومن ] قوله: ادرؤوا الحدود بالشبهات . فكان هذا المعنى مقطوعًا بثبوته من جهة الشرع ، فكان الشك فيه شكًا ، فلا يلتفت إليه ولا يعوّل عليه ، وإنما يقع الاختلاف أحيانًا في بعض أهي شبهة صالحة للدرء أو لا ، وبين الفقهاء في تقسيمها وتسميتها اصطلاحًا إلى آخر ما ذكره المحقق والله الموفق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت