حتى يناله ) ) أي إلى أن يدرك القضاء (( ثم غلب عدله جوره ) ) أي قوي عدله على جوره ، بحيث منعه عن الجور أو الظلم في الحكم ، ( فله الجنة ) أي مع الفائزين . قال الطيبي: إن يقل قوله حتى: غاية للطلب وحتى للتدرج ، فيفهم منه أنه بالغ في الطلب ، وبلغ مجهوده فيه ، ثم ناله ، فمثل هذا موكول إلى نفسه ، فلا ينزل عليه ملك يسدده ، فكيف يغلب عدله جوره ؟ وقد قال في الحديث السابق: من ابتغى القضاء وسأل ، وكل إلى نفسه ، فكيف الجمع بينهما ؛ يمكن أن يقال: الطالب رجلان: رجل مؤيد بتأييد الله محدث ملهم كالصحابة ومن بعدهم من التابعين ، فإذا طلبه بحقه ، فمثل هذا لا يكون موكولًا إلى نفسه ، وهو يقضي بالحق وهذا هو الذي غلب عدله جوره ، ورجل ليس كذلك ، وهو الذي وكل إلى نفسه ، فيغلب جوره عدله ، وهذا معنى قوله: ( من غلب جوره عدله فله النار ) . قال التوربشتي: ربما يسبق إلى فهم بعض من لا يتحقق القول ، أن المراد من الغلبة ، أن يزيد ما عدل فيه على ما جار ، وهذا باطل . قال الطيبي: وفي تأويله وجوه ، أحدها ما قاله التوربشتي: إن المراد من الغلبة في كلا الصيغتين ، أن تمنعه إحداهما عن الأخرى ، فلا يجور في حكمه يعني في الأول ، ولا يعدل يعني في الثاني ، قلت: الثاني لا يحتاج إلى تأويل ، لأن من كثر ظلمه بالنسبة إلى عدله ، فله النار أيضًا ، ويفهم بطريق الأولى ، إن من لا يعدل أصلًا أنه في النار ، [ ففيه إشارة إلى قوله: ( قاض في الجنة وقاضيان في النار ) ] وإنما المحتاج إلى التأويل هو الأوّل ، فتأمل ، وثانيهما ، ما قاله المظهر: أن من قوي عدله بحيث لا يدع أن يصدر منه جور ، قلت: هذا هو عين الوجه الأوّل ، وثالثها ما قاله القاضي: ( إن الإنسان خلق في بدء فطرته ، بحيث يقوى على الخير والشر والعدل والجور ، ثم إنه يعرض له دواع داخلية وأسباب خارجية تتعارض وتَتَصَارَعُ ، فيجذبه هؤلاء مرة ، وهؤلاء أخرى ، حتى يفضي التطارد بينهما إلى أن يغلب أحد الحزبين ، ويقهر الآخر ، فينقاد له بالكلية ، ويستقر على ما يدعوه إليه . فالحاكم إن وفق له حتى غلب له أسباب العدل ، قائمًا فيه دواعيه صار بشرًا شره مائلًا إلى العدل ، مشغوفًا به ، متحاشيًا عما ينافيه ، فينال به الجنة ، وإن عدل بأن كان حاله على خلاف ذلك ، جار بين الناس ونال بشؤمه النار اه . وفيه إن هذا تفصيل وتوجيه للقول الأوّل ، فلا تغفل . نعم له معنى ثان وهو: أن يكون المراد من عدله وجوره صوابه وخطأه في الحكم بحسب اجتهاده فيما لا يكون فيه نص من كتاب أو سنة أو إجماع ، كما قالوه في حق المفتي والمدرس ، ويؤيده حديث:( إن الله مع القاضي ما لم يحف عمدًا ) . كما سيأتي . ( رواه أبو داود ) .
( وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله لما بعثه إلى اليمن ) أي واليًا