قاضيًا ) أي أراد بعثي ( فقلت: يا رسول الله ترسلني ) فيه تفنن للعبارة ؟ والتقدير أترسلني ؟ ( وأنا حديث السن ) أي والحال أني صغير العمر قليل التجارب ( ولا علم لي ) أي كاملًا بالقضاء ، وليس هذا تعللًا: بل المقصود منه إمداد المدد ، ( فقال: إن الله سيهدي قلبك ) أي بالفهم ( ويثبت لسانك ) أي بالحكم . ونظيره ما وقع لموسى وهارون حيث قال تعالى: 16 ( { اذهبا إلى فرعون أنه طغى } ) [ طه 43 ] الآية . 16 ( { قالا: ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال: لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى } ) [ طه 45 ] . ويمكن أن يكون بطريق الإشارة الصوفية ترجيح مرتبة الحضور مع الله ورسوله على جميع المناصب العلية والمراتب السنية ؛ ولذا لما عرض السلطان محمود جميع مناصبه على عبده أياز الخاص امتنع من قبولها ، واختار ملازمة الخواص على وجه الإخلاص . قال المظهر: لم يرد به نفي العلم مطلقًا وإنما أراد به أنه لم يجرب سماع المرافعة بين الخصماء ، وكيفية دفع كلام كل واحد من الخصمين ومكرهما . وقال الطيبي: السين في قوله: سيهدي قلبك كما في قوله تعالى: 16 ( { إني ذاهب إلى ربي سيهدين } ) [ الصافات 99 ] فإن السين فيهما صحب الفعل لتنفيس زمان وقوعه ، ولا شك أنه رضي الله عنه حين بعثه قاضيًا ، كان عالمًا بالكتاب والسنة كمعاذ رضي الله عنه ؛ وقوله: ( أنا حديث السن ) ، اعتذار من استعمال الفكر واجتهاد الرأي من قلة تجاربه ، ولذلك أجاب بقوله: ( سيهدي قلبك ) أي يرشدك إلى طريق استنباط القياس بالرأي الذي محله قلبك ، فينشرح صدرك ، ويثبت لسانك ، فلا تقضي إلا بالحق اه . وقول المظهر: أوفق وأظهر ، بقوله ( إذا تقاضى ) أي ترافع إليك ( رجلان ) أي متخاصمان ( فلا تقض للأوّل ) أي من الخصمين وهو المدعي ( حتى تسمع كلام الآخر ) أي فإنك لم تتمكن من الاستنباط وتمييز الحق من الباطل بسماع كلام أحد الخصمين ؛ فقوله: إذا تقاضى الخ ، مقدمة للإرشاد ، وأنموذج منه . قال الخطابي: فيه دليل على أن الحاكم لا يقضي على غائب ، وذلك أنه إذا منعه من أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران حتى يسمع كلام الآخر ، ففي الغائب أولى بالمنع ، وذلك لإسكان أن يكون مع الغائب حجة تبطل دعوى الآخر ، وتدحض حجته . قال الأشرف: لعل مراد الخطابي بهذا الغائب ، الغائب عن محل الحكم ، فحسب دون الغائب إلى مسافة القصر ، فإن القضاء على الغائب إلى مسافة القصر جائز عند الشافعي ، ( فإنه ) أي ما ذكر من كيفية القضاء أحرى أي حري وحقيق وجدير ( أن يتبين لك القضاء . قال: فما شككت في قضاء بعد ، ) أي بعد دعائه وتعليمه: ولعل هذا وجه كونه رضي الله عنه أقضاهم على ما ذكره الجزري بإسناده في أسنى المناقب ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ، عنه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر رضي الله عنه: ( علي أقضانا وأبيّ بن كعب أقرؤنا ) ( رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه ، وسنذكر حديث أم سلمة ) أي مرفوعًا ( إنما أقضي بينكم برأيي ) لفظ الحديث