فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قيل للفطن لما يقتضي فحوى الكلام لحن ومنه الحديث الحن بحجته أي ألسن وأفصح وأبين كلامًا ، وأقدر على الحجة ( فمن قضيت له بشيء من حق أخيه ) أي من المال وغيره ( فلا يأخذنه ) أي إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه ( فإنما أقطع له ) أي أعين له بناء على ظاهر الأمر ( قطعة من النار ) وفيه دليل على جواز الخطأ في الأحكام الجزئية وإن لم يجز في القواعد الشرعية ؛ قال النووي: فيه تنبيه على الحالة البشرية ، وأن البشر لا يعلم من الغيب وبواطن الأمور شيئًا إلا أن يطلعه الله تعالى على شيء من ذلك فإنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز على غيره ، وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر ، والله يتولى السرائر ، فيحكم بالبينة أو اليمين مع إمكان خلاف الظاهر ، وهذا نحو قوله: ( أمرت أن أقاتل الناس ) ، إلى قوله: ( وحسابهم على الله ) ، ولو شاء الله تعالى لأطلعه على باطن أمر الخصمين ، فحكم بيقين نفسه من غير حاجة إلى شهادة أو يمين ، ولكن لما أمر الله تعالى أمته باتباعه والاقتداء بأقواله وأفعاله [ وأحكامه ] أجرى عليه حكمهم من عدم الاطلاع على باطن الأمور ليكون للأمة إسوة به في ذلك ، وتطييبًا لنفوسهم من الانقياد للأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن ، فإن قيل: هذا الحديث ظاهرة أنه يقع منه حكم في الظاهر مخالف للباطن ، وقد اتفق الأصوليون على أنه لا يقر على خطأ في الأحكام ، فالجواب أنه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصول ، لأن مرادهم فيما حكم فيه باجتهاده ؛ فهل يجوز أن يقع فيه خطأ ، فيه خلاف والأكثرون على جوازه ؛ وأما الذي في الحديث فليس من الاجتهاد في شيء لأنه حكم بالبينة أو اليمين ، فلو وقع منه ما يخالف الباطن لا يسمى الحكم خطأ ، بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به التكليف ، وهو وجوب العمل بشاهدين مثلًا ، فإن كانا شاهدي زورًا ونحو ذلك ، فالتقصير منهما ، وأما الحاكم فلا حيلة له في ذلك ، ولا عتب عليه بسببه ، بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد وفيه دلالة على أن حكم الحاكم لا يحل حرامًا . فإذا شهد شاهد زور لإنسان بمال ، فحكم به الحاكم لم يحل للمحكوم له ذلك المال ، ولو شهد عليه بقتل لم يحل للولي قتله مع علمه بكذبهما ، وإن شهدا على أنه طلق امرأته لم يحل لمن علم كذبهما أن يتزوجها . قال الطيبي: وإليه الإشارة بقوله فمن قضيت الخ يعني إن قضيت له بظاهر يخالف الباطن فهو حرام ، فلا يأخذن ما قضيت له لأنه أخذ ما يؤول به إلى قطعة من النار ، فوضع المسبب ، وهو قطعة من النار موضع السبب ، وهو ما حكم به له ( متفق عليه ) . وفي الجامع الصغير بلفظ فمن قضيت له بحق مسلم ، فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها ؛ رواه مالك وأحمد والستة عن أم سلمة ؛ وفي رواية لمسلم عن رافع بن خديج ، ولفظه إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء