عليهم السكينة ) يجوز في مثل هذا التركيب كسر الهاء وضم الميم وهو الأكثر ، وضمهما وكسرهما والسكينة هي الوقار والخشية ، يعني الشيء الذي يحصل به سكون القلب والطمأنينة والوقار ونزول الأنوار ، قيل: والمراد هنا صفاء القلب بنوره وذهاب الظلمة النفسانية وحصول الذوق والشوق ، وقيل: السكينة ملك يسكن قلب المؤمن ويؤمنه ويأمره بالخير ، وذكر الطيبي عن ابن مسعود السكينة مغنم وتركها مغرم . ( وغشيتهم الرحمة ) أي أتتهم وعلتهم وغطتهم ( وحفتهم الملائكة ) أي ملائكة الرحمة والبركة أحدقوا وأحاطوا بهم ، أو طافوا بهم وداروا حولهم إلى سماء الدنيا يستمعون القرآن ودراستهم ويحفظونهم من الآفات ويزورونهم ويصافحونهم ويؤمنون على دعائهم ، قيل: وبلسان الإشارة بيوت الله عبارة عما يذكر فيه الحق من النفس والقلب والروح والسر والخفي ؛ فذكر بيت النفس الطاعات ، وذكر بيت القلب التوحيد والمعرفة ، وذكر بيت الروح الشوق والمحبة ، وذكر بيت السر المراقبة والشهود ، وذكر بيت الخفي بذل الوجود وترك الموجود .
وقوله: ( إلا نزلت ) الخ إشارة إلى ثمرات التلاوة وهي الانس والحضور مع الله وتمثل الأنبياء والملائكة والأرواح المقدسة في صور لطيفة والصعود من حضيض البشرية إلى ذروة الملكوت الأعلى ، بل الفرح بالبقاء والدخول تحت الفناء والقرب من اللاهوت والتبري من الناسوت ، وهذا مقام يضيق عن إعلانه نطاق النطق ولا يسع إظهاره في ظهور الحروف ، وأن قميصًا خيط من نسج تسعة وعشرين حرفًا من معانيه قاصر . قال الشيخ أبو سعيد الخرّاز: إذا أراد الله تعالى أن يوالي عبدًا من عبيده فتح عليه باب ذكره ، فإذا استلذ بالذكر فتح عليه باب القرب ، ثم رفعه إلى مجالس الانس ، ثم أجلسه على كرسي التوحيد ، ثم رفع عنه الحجاب وأدخله دار الفردانية وكشف له حجاب الجلال والعظمة ، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو ، فحينئذ صار العبد زمنًا فانيًا في حفظ سبحانه وبرىء من دعاوى نفسه . ( وذكرهم الله فيمن عنده ) أي الملأ الأعلى والطبقة الأولى من الملائكة ، وذكره سبحانه للمباهاة بهم يقول: انظروا إلى عبيدي يذكروني ويقرؤن كتابي .
( ومن بطأ ) بتشديد الطاء من التبطئة ضد التعجل كالإبطاء والبطء نقيض السرعة والباء في ( به ) للتعدية ، أي من أخره وجعله بطيئًا عن بلوغ درجة السعادة ( عمله ) السيء في الآخرة ، أو تفريطه للعمل الصالح في الدنيا ( لم يسرع به نسبه ) ) من الإسراع ، أي لم يقدمه نسبه ، يعني لم يجبر نقيصته لكونه نسيبًا في قومه إذ لا يحصل التقرب إلى الله تعالى بالنسب بل بالأعمال الصالحة ، قال تعالى: 16 ( { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ) [ الحجرات 13 ] وشاهد ذلك أن أكثر علماء السلف والخلف لا أنساب لهم يتفاخر بها بل كثير من علماء السلف موالٍ ومع