ذلك هم سادات الأمة وينابيع الرحمة وذوو الأنساب العلية الذين ليسوا كذلك في مواطن جهلهم نسيًا منسيًا ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ( إن الله يرفع بهذا الدين أقوامًا ويضع به آخرين ) ، ويؤيده ما ورد في الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام: ( يا صفية عمة محمد ، يا فاطمة بنت محمد ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا ) ، وما نقل عن أبي يزيد قدس الله سره أن مريدًا له تتبع خطاه من خلفه فأقبل عليه قائلًا: ( والله والله لو سلخت جلد أبي يزيد ولبسته لم تنل مثقال خردل من مقاماته ما لم تعمل عمله ) ، وأنشد: %(
ما بال نفسك أن ترضى تدنسها %
وثوب جسمك مغسول من الدنس )% %(
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها %
إن السفينة لا تجري على اليبس )%
( رواه مسلم ) قال النووي في الأربعين بهذا اللفظ .
( 205 ) ( وعنه ) أي عن أبي هريرة ( قال: قال رسول الله:( إن أوّل الناس يقضى عليه ) قيل: هو صفة للناس لأنه نكرة في المعنى ، أي يحاسب ويُسأل عن أفعاله . قيل ، ويستفاد منه أنه أوّل المقضى عليهم لا مطلقًا . ( يوم القيامة ) أي ثلاثة ( رجل استشهد ) على بناء المفعول ، أي قتل في سبيل الله ( فأُتي به ) أي بالرجل للحساب ( فعرّفه ) بالتشديد ، أي ذكّره تعالى ( نعمته ) على صيغة المفرد ههنا ، والباقيتان على صيغة الجمع هكذا جاء في صحيح مسلم والحميدي وجامع الأصول وفي الرياض للنووي وفي بعض نسخ المصابيح . ولعل الفرق اعتبار الإفراد في الأولى والكثرة في الأخيرتين كذا ذكره الطيبي . ولعل المراد بالكثرة أصناف العلوم والأموال والله أعلم بالحال . وليس المراد بالإفراد نعمة الشهادة كما يتوهم فإنه لا يلائمه ما بعده ، بل المراد أفراد جنسية النعمة ؛ فإن المراد المضاف للعموم بخلاف الأخيرتين فإنه جمع فيهما لإرادة الأنواع ، أو أفرد في الأوّل لنعمته البدنية فقط بخلاف الأخيرتين فإنه انضم معها النعمة المالية أو العلمية . ( فعرفها ) بالتخفيف ، أي تذكرها فكأنه من الهول والدهشة نسيها وذهل عنها ( فقال تعالى: فما عملت فيها ؟ ) أي في مقابلتها شكرا لها ، أي في أيامها لينفعك اليوم ( قال ) أي الرجل ( قاتلت فيك ) أي جاهدت في جهتك خالصًا لك كذا ذكره الطيبي ، أي حاربت لأجلك ففي تعليلية ( حتى استشهدت ) الظاهر أن هذا المقول صدر منه على زعمه ، قال تعالى: