رسول الله خمسة وعشرين يومًا ، وجهدهم الحصار ، وتمكن الرعب في قلوبهم لأنهم كانوا حلفاء الأوس ، فحسبوا أنه يراقبهم ويتعصب لهم ، فأبى إسلامه وقوّة دينه أن يحكم فيهم بغير ما حكم الله فيهم ، وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة في شوّالها حين نقضوا عهدًا لرسول الله ، ووافقوا الأحزاب . روي أنهم لما انكشفوا على المدينة ، وكفى الله المؤمنين شرهم أتى جبريل النبي في ظهر اليوم الذي تفرقوا في ليلته فقال: وضعتم السلاح والملائكة لم يضعوه ، فإن الله تعالى أمركم بالمسير إلى بني قريظة . فائتهم عصرهم ( بعث ) جواب لما أي أرسل ، وفي نسخة ( إليه ) أي إلى سعد ( رسول الله فجاء على حمار ) أي شاكيًا وجعه ، فإنه قد أصيب يوم الخندق ( فلما دنا ) أي قرب ( قال رسول الله:( قوموا إلى سيدكم ) ) قال النووي: فيه إكرام أهل الفضل ، وتلقيهم والقيام [ لهم ] إذا أقبلوا ، واحتج به الجمهور ، وقال القاضي عياض: ليس هذا من القيام المنهي عنه ، وإنما ذاك فيمن يقومون عليه وهو جالس ، ويتمثلون قيامًا طول جلوسه . وقيل: لم يكن هذا القيام للتعظيم ، بل كان للإعانة على نزوله لكونه وجعًا ولو كان [ المراد ] منه قيام التوقير لقال: ( قوموا لسيدكم ) ويمكن دفعه بأن التقدير: قوموا متوجهين إلى سيدكم ؛ لكن الأوّل أظهر ، لأن الصحابة رضي الله عنهم [ أجمعين ] ما كانوا يقومون له لكراهيته للقيام . ( فجاء فجلس فقال رسول الله: إن هؤلاء ) أي بني قريظة ( نزلوا على حكمك ) قال النووي: وإنما فوّض الحكم إلى سعد لأن الأوس طلبوا من النبي العفو عنهم لأنهم كانوا حلفاءهم ، فقال لهم النبي: ( أما ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم ) فرضوا به ( قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة ) بكسر التاء أي من يتأتى منهم القتال ولو بالرأي ( وإن تسبى الذرية ) أي النساء والصبيان ( قال ) أي النبي عليه الصلاة والسلام ( لقد حكمت فيهم بحكم الملِك ) بكسر اللام وهو الله ، ويؤيده قوله ؛ ( وفي رواية بحكم الله ) أي أصبت بهم وقضيت بقضاء ارتضى الله به ، ويروى بفتحها أي الملك النازل بالوحي ، وهو جبريل ، أو الذي ألقى الصواب في القلب . قال النووي: الرواية المشهورة الملك بكسر اللام ، ويؤيده الرواية الأخرى ؛ قال القاضي: وضبطه بعضهم في صحيح البخاري بكسر اللام وفتحها ، فإن صح الفتح فالمراد به جبريل أي الحكم الذي جاء به جبريل عن الله تعالى اه ، وفيه جواز التحكيم في أمور المسلمين ومهماتهم العظام ، ولا يخالف في هذا الإجماع إلا الخوارج فإنهم أنكروا على عليّ رضي الله عنه التحكيم ، وإذا حكم الحاكم العادل في شيء لزمه حكمه ، ولا يجوز للإمام ولا لهم الرجوع عنه بعد الحكم . ( متفق عليه ) .