مقبول لأنه معلول ومدخول ، فإنه إذا صح التخيير لم يجز العتاب والتعيير فضلًا عن التعذيب والتعزير ، وأما ما ذكره من تخيير أمهات المؤمنين فليس فيه أنهن لو اخترن الدنيا لعذبن في العقبى ولا في الأولى ، وغايته أنهن يحرمن من مصاحبة المصطفى لفساد اختيارهن الأدنى بالأعلى ، وأما قضية الملكين وقضية تعليم السحر فنعم امتحان من الله وابتلاء لكن ليس فيه تخبير لأحد ، ولهذا قال المفسرون في قوله تعالى: 16 ( { من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ) [ الكهف 29 ] إنه أمر تهديد لا تخيير وأما قوله أم يؤثرون الأعراض العاجلة من قبول الفدية ، فلما اختاروه عوقبوا بقوله: 16 ( { ما كان لنبي } ) [ الكهف 29 ] الآية . فلا يخفى ما فيه من الجراءة العظيمة والجناية الجسيمة ، فإنهم ما اختاروا الفدية إلا للتقوية على الكفار وللشفقة على الرحم والرجاء أنهم يؤمنون أو في أصلابهم من يؤمن ، ولا شك أن هذا وقع منهم اجتهادًا وافق رأيه غايته أن اجتهاد عمر وقع أصوب عنده تعالى ، فيكون من موافقات عمر رضي الله عنه ويساعدنا ما ذكره الطيبي من أنه يعضده [ سبب ] النزول . روى مسلم والترمذي عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم أنهم لما أسروا الأسارى يوم بدر ، قال رسول الله لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: ( ما ترون في هؤلاء الأسارى ) فقال [ أبو بكر ] : ( يا رسول الله بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوّة على الكفار فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام ) فقال: ما ترى يا ابن الخطاب ؟ قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده ، فهوى رسول الله ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت . فلما كان من الغد فإذا رسول الله وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي وصاحبك فقال: أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة أنزل الله تعالى الآية اه . قال البيضاوي: والآية دليل على أن الأنبياء مجتهدون ، وأنه قد يكون خطأ ولكن لا يقرون عليه وقوله تعالى: 16 ( { لولا كتاب من الله سبق } ) [ الأنفال 68 ] أي لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح المحفوظ وهو أن لا يعاقب المخطىء في اجتهاده أو أن لا يعذب أهل بدر أو قومًا لم يصرح لهم بالنهي عنه ، أو أن الفدية التي أخذوها ستحل لهم لمسكم أي لنا لكم فيما أخذتم من الفداء عذاب عظيم اه . ويمكن أن يقال: جمعًا بين الآية والحديث أن اختيار الفداء منهم أوّلًا كان بالإطلاق ، ثم وقع التخيير بعده بالتقييد والله أعلم . ثم قال الطيبي: وأما قوله ثم إن الحديث روي عنه متصلًا ، وروي عن غيره مرسلًا ، فكان ذلك مما يمنع القول بظاهره ففيه بحث ، فإن المرسل إذا اعتضد بضعيف متصل يحصل فيه نوع قوّة فيدخل في جنس الحسن ، فكيف يقال عند ذلك فكان ذلك مما يمنع القول بظاهره . قلت: لعل مراده أنه اضطرب في إسناده ، والمضطرب ضعيف لاحتمال أن السهو وقع من المرسل أو من الموصل ، فبهذا الاعتبار يدخل الضعف في سنده ، وإلا فالمرسل حجة عند الجمهور ومنهم إمام الشيخ ، وأما قوله: فكان ذلك فالإشارة إلى جميع ما ذكر من مخالفته للآية وانفراد إسناده وإرساله ، ثم قال الطيبي: وقول الترمذي: هذا حديث غريب لا يشعر بالطعن فيه لأن الغريب قد يكون صحيحًا