في الحديث الذي يليه ، إنما نكون بأرض فتصيبنا [ بها ] المخمصة وكأنهم قالوا: ما عندنا ما نسد به جوعتنا ، فما مقدار ما يحل لنا من الميتة ولهذا سأل عن مقدار طعامهم فأجابوا قدح لبن غدوة وقدح لبن عشية ، فلما سمع رسول الله هذا قرر جوعهم وأقسم عليه بقوله: ( ذاك وأبى الجوع ) فأباح لهم مقدار ما يسد به جوعتهم ، ومما يدل على أن السؤال عن المقدار تفسير أبي نعيم قدح غدوة وقدح عشية لقوله نغتبق ونصطبح أي قال في تفسيره: هو قدح غدوة ، وجعل اللبن طعامًا لأنه يجزي عنه كما يدل عليه الحديث التاسع من الفصل الأوّل في باب الأشربة اه . وقد أغرب في كلامه حيث لم يفهم أن مقصود الشيخ في البحث اللفظي المتعلق بقوله: ( يحل ) فأنكره وتبعه في المعنى المراد الذي قال به الشيخ ، فإن المعنى عند الكل إن مقدار الإحلال هو القدحان ، وهو إنما يستقيم على رواية الطبراني ما يحل لنا الميتة كما هو ظاهر لا على رواية الكتاب وهو ما يحل لنا من الميتة ، فإنه يفيد أي مقدار من الميتة يحل لنا ، وليس الكلام فيه اتفاقًا نعم يمكن أن يتكلف في الجواب عن رواية الكتاب أن المراد بما الاستفهامية هي الحالة ، فالمعنى أي حالة يحل لنا فيها بعض الميتة على أن من تبعيضية ، أو الميتة على أن من زائدة على مذهب من يجوّز ، ويؤيده الرواية الآتية: ( فمتى تحل لنا الميتة ) أي أكلها ، فلما تقرر السؤال على هذا المنوال قال في تحقيق الحال: ( ما طعامكم ) أي ما مقدار مذوقكم الذي تجدونه ، فإن المضطر الذي لا يجد شيئًا حكمه معلوم ولا يحتاج إلى السؤال ( قلنا: نغتبق ) بسكون الغين المعجمة ( ونصطبح ) بإبدال التاء طاء أي نشرب مرة في العشاء ومرة في الغداء ، ولعله قدم العشاء لأنه الأهم ، والاهتمام به أتم . وفي النهاية الصبوح الغداء والغبوق العشاء وأصلهما في الشراب ثم استعملا في الأكل ، ذكره الطيبي وفيه أنهما مستعملان في هذا المقام على أصلهما وكان من حقه أن يقول: ويستعملان في الأكل ثم لما كان على إطلاق الاغتباق والإصطباح مشكلًا فإن الواحد قد يعيش بهما على وجه الشبع عمرًا طويلًا ، فكيف تكون حالة الاضطرار ( قال: أبو نعيم ) أحد رواة الحديث ( فَسَرَّهُ لي ) [ أي بين المراد مما ذكر من الفعلين وأوّله لأجلي ] ( عقبة ) يعني شيخه وهو من رواة الحديث أيضًا ( قدح ) أي ملء قدح من اللبن ( غدوة وقدح عشية ) فيصير معنى الحديث نشرب وقت الصباح قدحًا ووقت العشاء قدحًا ( قال ) : أي النبي ( ذاك وأبي الجوع ) قيل: ولعل هذا الحلف ، قبل: النهي عن القسم بالآباء أو كان على سبيل العادة بلا قصد إلى اليمين ولا قصد إلى تعظيم الأب كما في ( لا والله ، وبلى والله ) وقال المظهر: هي كلمة جاء بها على ألسن العرب يستعملها كثير في مخاطباتهم يريد بها التوكيد ، قلت: وهو في حقه بعيد جدًا ، فالأوّل هو المعول . قال الطيبي: وأبى ، جملة قسمية معترضة بين المبتدأ والخبر الدالين على الجواب يعني مجملًا فكأنه قال: ذلك الشرب الذي تقولون قليل تجوعون فيه وتحتاجون إلى الزيادة عليه ، ثم وقع التصريح بقوله: (( فأحل لهم الميتة على هذه الحال ) ) قال التوربشتي: وقد تمسك بهذا الحديث من يرى تناول الميتة مع أدنى شبع والتناول منه عند الاضطرار إلى حد الشبع ، وقد خالف على