هذا الحديث الذي يليه والأمر الذي يبيح له الميتة هو الاضطرار ، ولا يتحقق ذلك مع ما يتبلغ به من الغبوق والصبوح فيمسك الرمق ، فالوجه فيه أن يقال: الاغتباق بقدح والاصطباح بآخر كانا على سبيل الاشتراك بين القوم كلهم ، ومن الدليل عليه قول السائل: ما يحل لنا كأنه كان وافد قومه فلم يسأل لنفسه خاصة ، وكذا قول النبي: ( ما طعامكم ) ؟ فلما تبين له أن القوم مضطرون إلى أكل الميتة لعدم الغنى في إمساك الرمق بما وصفه من الطعام أباح لهم تناول الميتة على تلك الحالة هذا وجه التوفيق بين الحديثين . قال الخطابي: القدح من اللبن بالغدوة ، والقدح بالعشي يمسك الرمق ويقيم النفس وإن كان لا يشبع الشبع التام ، وقد أباح الله تعالى مع ذلك تناول الميتة ، وكان دلالته أن تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ من القوت الشبع ، وإلى هذا ذهب مالك وأحمد وهو أحد قولي الشافعي . وقال أبو حنيفة: ( لا يجوز أن يتناول منه الأقدر ما يمسك به رمقه ) وهو القول الآخر للشافعي اه ، وأغرب في قوله: ( وإن كان لا يشبع الشبع التام حيث يشعر بأن أكل الميتة يحل مع الشبع إذا لم يكن تامًا ) ، ولا أظن أحد قال به ؛ وأما قوله: وقد أباح الله تعالى مع ذلك تناول الميتة ، فإن أراد به أنه مع ما ذكر من الحال فممنوع إذ لا دلالة [ للآية ] على ذلك ، وإن أراد به أنه مع الحديث المذكور فقد علمت أنه معارض بالحديث الذي يليه ، ومحتمل للتأويل كما سبق ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال لا سيما مع وجود المعارض على أن القاعدة ترجيح المحرم على المبيح احتياطًا ، وقد خطر بالبال ، والله أعلم بالحال . إن الحديث الأول يكون بالنسبة إلى السائرين المسافرين المضطرين إلى سيرهم ، ولا شك أن شرب القدحين لا سيما إذا كانا صغيرين بالنسبة إليهم قليل جدًا لا يسد مسد شيء لاحتراقه بحرارة حركة المشي ؛ والحديث الثاني بالنسبة إلى غيرهم من القاطنين في أماكنهم فإنه قد يسد مسد رمقهم على ما هو ظاهر ، ولا شك أن الناس مختلفون في ذلك فبعضهم يصومون وصالًا ثلاثة أيام وأكثر إلى أربعين فصاعدًا لا يشربون إلا ماء أو يأكلون لوزة ، وبعضهم لهم قوّة الشهية بحيث يأكلون غنمًا أو بقرًا ، ومما يدل على هذا التفصيل أن السائل في الحديث الأوّل هو الوافد ، وفي الثاني قال سائلهم: ( إنما نكون بأرض فتصيبنا بها المخمصة ) والله [ تعالى ] أعلم . ( رواه أبو داود ) ، وكذا الطبراني وغيره .
( وعن أبي واقد ) رضي الله عنه ( الليثي ) صحابي قديم الإسلام مات بمكة ( أن رجلًا قال: يا رسول الله إنا نكون بأرض فتصيبنا بها المخمصة ) أي المجاعة ( فمتى تحل لنا الميتة ؟ قال:( ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا ) ، يحتمل أن تكون أو للشك أو للتنويع ، وهو الظاهر