أيضًا في عدم نفع القرآن الكثيرين مع أنه شفاء لما في الصدور ، وقد طب كثيرًا من الأمراض ، ومحل بسطها الطب النبوي وسائر السير من كتاب المواهب للقسطلاني ، وزاد المعاد لابن القيم الجوزي وغيرهما .
( وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله: لكل داء دواء فإذا أصيب دواء ) بالرفع منوّنًا ( الداء ) بالنصب ، وفي نسخة بالإضافة وفي رواية فإذا أصاب دواء داء بالتنوين ( برأ ) بفتحات ؛ وفي نسخة بكسر الراء ، ويجوز ضمها . ففي النهاية يقال: برأت من المرض برأ بالفتح ، وأبرأني الله تعالى من المرض إبراء ، وغير أهل الحجاز يقولون: برئت بالكسر برأ بالضم ؛ وفي القاموس برأ المريض يبرأ ويبرؤ برأ بالضم ، وبروأ وبرؤ ككرم وفرح برأ وبرأ وبروأ نقه ( بإذن الله ) أي بتيسيره وإرادته ، وإنما قيده به لئلا يتوهم أن الدواء مستقل في الشفاء ؛ وفسرته رواية الحميدي . ( ما من داء إلا وله دواء فإذا كان كذلك بعث الله عزَّ وجلّ ملكًا معه [ شراب ومعه ] ستر فجعله بين الداء والدواء ، فكلما شرب المريض من الدواء لم يقع على الداء ، فإذا أراد الله برأه أمر الملك ، فرفع الستر ، ثم يشرب المريض فينفعه الله تعالى به ) . ( رواه مسلم ) ، وكذا أحمد . وروي عن علي مرفوعًا: ( لكل داء دواء ، دواء الذنوب الاستغفار ، قال النووي: فيه إشارة إلى استحباب الدواء وهو مذهب السلف وعامة الخلف وإلى رد من أنكر التداوي ؛ فقال:( كل شيء بقضاء وقدر ، فلا حاجة إلى التداوي ) . وحجة الجمهور هذه الأحاديث ، واعتقدوا أن الله تعالى هو الفاعل ، وإن التداوي أيضًا من قدر الله تعالى ، وهذا كالأمر بالدعاء وبقتال الكفار ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة مع أن الأجل لا يتأخر والمقادير لا تتغير اه . وحاصله أن رعاية الأسباب بالتداوي لا تنافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع بالأكل ، وقمع العطش بالشرب ومن ثم قال المحاسبي: ( يتداوى المتوكل افتداء بسيد المتوكلين ) ، وأجاب عن خبر من استرقى أو اكتوى برىء من التوكل كما سيأتي أي من توكل المتوكلين من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، فجعل بعض التوكل أفضل من بعض ، وفيه أنه ينافيه ما قيل: لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضيات بمسبباتها قدرًا وشرعًا ، فتعطيلها يقدح في التوكل ؛ والحاصل أن مرتبة الجمع أولى من مرتبة التوحيد الصرف ، فالأحسن في تأويل الحديث ما قاله ابن عبد البر: إنه بريء من التوكل أن استرقى بمكروه أو علم شفاءه بوجود نحو الكي ، وغفل عن أن الشفاء من عنده تعالى ، وأما من فعله على وفق الشرع ناظرًا لرب الدواء ، متوقعًا من عنده الشفاء ، قاصدًا صحة بدنه للقيام بطاعة ربه ، فتوكله باق بحاله استدلا لا بفعل سيد المتوكلين إذ عمل بذلك في نفسه