فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
للناس ) [ النحل 69 ] لأن الآية لا تدل على أنه شفاء من كل داء ، قلت: ظاهره الإطلاق وإثبات الوحي يحتاج إلى دليل ، ( وكذب بطن أخيك ) أي أخطأ كما تقول العرب كذب سمعي إذا أخطأ ، وأراد بخطئه عدم حصول الشفاء له ، وذلك لأن نيته في شربه لم تكن خالصة أو لأن الدواء لم يعمل عمله ، ذكره ابن الملك . قال الخطابي: ( يعني صدق الله في قوله بأن العسل شفاء للناس ، وكذب بطن أخيك حيث لم يحصل له الشفاء بالعسل ) . اه . والمعنى على المجاز أي أنه لم يصلح لقبول الشفاء في أنه لم يصبه الدواء بعد خطئه . قال النووي: هذا تصريح بأن الضمير في قوله تعالى: 6 ( { فيه شفاء للناس } ) [ النحل 69 ] يعود إلى الشراب الذي هو العسل وهو قول ابن مسعود وابن عباس والحسن وغيرهم ، وقال مجاهد: الضمير راجع إلى القرآن وهو ضعيف مخالف لظاهر القرآن ولصريح هذا الحديث ، قلت: وأصرح منه حديث ( عليكم بالشفاءين العسل والقرآن ) . قال: والآية على الخصوص أي شفاء من بعض الداء أو لبعض الناس ، وفي التنكير دلالة عليه ، قلت: الظاهر أن تنكير شفاء للتعظيم لا للتقليل ، والعموم يستفاد من جنس الناس ( فسقاه ) أي مرة أخرى ( فبرأ ) بفتح الراء وبكسر ، قال ابن الملك: فإن قيل: العسل مسهل مطلقًا ، فكيف أمر النبي به في دفع الإسهال ؟ قلنا: لعله علم أن ذلك كان من اجتماع الفضلات البلغمية التي دفعتها الطبيعة مرة بعد أخرى ، وكان منها بقية من المادة محتاجة إلى قلعها بملين ، فأمره بشرب العسل مرة بعد أخرى ، فلما شرب انقطعت بالكلية ، قلت: قوله: لعله الخ ينافيه ما جزم به أوّلًا من أنه إنما وقع أمره به بالوحي ، ثم توضيح هذا الكلام ما قال الخطابي: هذا مما يحسب كثير من الناس أنه مخالف لمذهب الطب والعلاج وذلك أن الرجل إنما جاء يشكو إليه استطلاق البطن فكيف يصف له العسل وهو يطلق ، ومن عرف شيئًا من أصول الطب ومعانيه علم صواب هذا التدبير ، وذلك أن استطلاق بطن هذا الرجل إنما كان هيضة حدثت من الامتلاء وسوء الهضم ، والأطباء كلهم يأمرون صاحب الهيضة بأن يترك الطبيعة وسوقها لا يمسكها ، وربما امتدت بقوّة مسهلة حتى تستفرغ تلك الفضول ، فإذا فرغت تلك الأوعية من تلك الفضول ، فربما أمسكت من دائها وربما عولجت بالأشياء القابضة والمقوية إذا خافوا سقوط القوّة ، فخرج الأمر في هذا على مذهب الطب مستقيمًا حين أمر النبي أن يمد الطبيعة بالعسل ليزداد استفراغًا حتى إذا انتزحت تلك الفصول وتنقت منها ، وقفت وأمسكت ، وقد يكون ذلك أيضًا من ناحية التبرك تصديقًا لقول الله عزَّ وجلّ: 6 ( { فيه شفاء للناس } ) [ النحل 69 ] وما يصفه النبي من الدواء لشخص بعينه فقد يكون ذلك بدعائه وببركته وحسن أثره ، ولا يكون ذلك حكمًا في الأعيان كلها فعلى هذا المذهب يجب حمل ما لا يخرج على مذهب الطب القياسي وإليه يجب توجيهه . كذا في أعلام السنن . ( متفق عليه ) .