وتخصيص الحمد بالذكر إشارة إلى بيان قدرته الباهرة ونعمته المتظاهرة لأن الحمد هو الثناء على الجميل من الفضل والأفضال وذلك أنه تعالى أبدعه إبداعًا جميلًا وأنشأه خلقًا سويًا صحيحًا فعطس ، فإنه مشعر بصحة المزاج فوجب الحمد على ذلك ولا ارتياب أن وقوفه على قدرة الله تعالى وأفضاله عليه لم يكن إلا بتوفيقه وتيسيره ، قلت: ومن جملة التوفيق والتيسير حكمه وأمره العمل بقضائه وتقديره . قال: وفي فاء التعقيب إشارة إلى ذلك ، قلت: ولا مانع أن يكون إشارة إلى كل مما ذكر هنالك ، ( فقال له ربه:( يرحمك الله يا آدم ) ) . يحتمل أن تكون متممة ومقدمة لكن الثاني أظهر ، ثم الظاهر أن الخطاب المستطاب بعد سجود الملائكة له كما يستفاد من قوله تعالى: 16 ( { فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } ) [ الحجر 29 ] والمعنى يا آدم ( اذهب إلى أولئك الملائكة ) ، الظاهر أن المراد بهم جمع من المقربين أو الموكلين على الحسنات من أرباب اليمين . وقوله: ( إلى ملأ منهم ) يحتمل أن يكون بدلًا ، فيكون من كلام الله تعالى ، ويحتمل أن يكون حالًا ، فيكون من كلام رسول الله بيانًا لكلام الله تعالى ، وهو إلى الحال أقرب منه إلى البدل ، يعني قال الله تعالى: أولئك مشيرًا به إلى ملأ منهم ( جلوس ) بالجر صفة ملأ أي جالسين أو ذوي جلوس ( فقل: السلام عليكم ) ، قال الطيبي: لما وفقه تعالى لقيام الشكر على نعمه السابغة ، وأوقفه على قدرته الكاملة ، علمه كيفية المعاشرة مع الخلق حتى يفوز بحسن الخلق مع الخلق بعد تعظيم الحق ، وأما تخصيص السلام بالذكر فإنه فتح باب المودّات وتأليف قلوب الإخوان المؤدي إلى استكمال الإيمان ، ( فقال: ) أي فذهب آدم إليهم فقال: ( السلام عليكم ) ، وفي بعض النسخ هذه الجملة محذوفة للعلم بها ( فقالوا: عليك السلام ورحمة الله ، ثم رجع إلى ربه ) أي إلى مكان كلمه ربه فيه تبركًا به وتيمنًا بمقامه ، ولما في العادة أن يرجع المأمور إلى حيث أمره الآمر وينتظر بيان حكمة الأمر ، ( فقال: ) أي الرب سبحانه (( هذه ) ) أي الكلمات المذكورة (( تحيتك وتحية بنيك ) ) فيه تغليب أي ذريتك (( بينهم ) ) أي فيما بينهم عند ملاقاتهم ، فهذه سنة قديمة ومنه جسيمة ، ( فقال له الله ويداه مقبوضتان ) ) الجملة حال والضمير لله ، وحقيقة معناه يعجز عنه ما سواه ، ومذهب السلف من نفي التشبيه وإثبات التنزيه مع التفويض أسلم وسيأتي كلام بعض أهل الخلف مع خلف فيما بينهم مع دعواهم إن هذا المذهب أعلم . وكان بعض مشايخنا يقول: إن لله تجليات صورية مع تنزه ذاته عن أمور عارضية ، فيزول بها كثير من الإشكالات المتعلقة بالصفات المفهومة من الأحاديث والآيات ؛ وأقرب ما قيل في هذا المقام من التأويل: إنه أراد باليدين صفتي الجمال والجلال وإن الجمال هو اليمين المطلق وإن كان اليمين المطلق وإن كان اليمين في الجلال أيضًا قد تحقق ، وبهذا يتضح معنى قوله تعالى لآدم ( اختر أيتهما ) أي من اليدين ( شئت ) أي أردت ( فقال:( اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين ) ) من كلام آدم أو من كلام النبي ،