وقوله: ( مباركة ) صفة كاشفة ( ثم بسطها ) أي فتح الرب سبحانه وتعالى يمينه ( فإذا فيها ) أي موجود ( آدم وذريته ) أي مثاله وأمثلة أولاده . قال الطيبي: يقول النبي يعني رأى آدم مثاله ومثال بنيه في عالم الغيب ، ( فقال: أي رب ما هؤلاء ) ظاهره مشعر بأن هذه القضية قبل الميثاق ( قال: هؤلاء ذريتك ) ، الظاهر من كونهم في اليمين اختصاصهم بالصالحين من أصحاب اليمين والمقربين ، ويدل عليه أيضًا قوله: ( فإذا كل إنسان ) أي منهم ( مكتوب عمره بين عينيه ، فإذا فيهم رجل أضوأهم ) فيه دلالة على أن لكلهم ضياء لكنه يختلف فيهم بحسب [ نور ] إيمانهم . هذا وقد قال الطيبي: قوله: وكلتا يدي ربي يمين كالتتميم صونًا لما يتوهم من إثبات الجارحة من الكلام السابق ، قلت: هذا غير ظاهر بل أنه تذييل وتكميل احتراسًا لما يتوهم من قول آدم اخترت يمين ربي أن له سبحانه يسارًا وشمالًا ، فتكون أحدهما أقوى من الأخرى أو أبرك وأيمن وأحرى ، ثم قال: وللشيخ أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك كلام متين فيه ، قال: واليدان إن حملتا على معنى القدرة والملك صح ، وإن حملتا على معنى النعمة والأثر الحسن صح لأن ذلك مما حدث في ملكه بتقديره ، وعن ظهور نعمته على بعضهم قلت: لا ارتياب في صحة هذا الكلام في نفسه ، وأما إرادة هذا المعنى من هذا المبنى في هذا المقام فيحتاج إلى بسط في الكلام ليظهر المقصود ويتضح المرام ، ثم قال ابن فورك: قد ذكر بعض مشايخنا أن الله عزَّ وجلّ هو الموصوف بيد الصفة لا بيد الجارحة ، وإنما تكون يد الجارحة يمينًا ويسارًا لأنهما يكونان لمتبعض ومتجز ذي أعضاء ، ولما لم يكن ما وصف الرب به يد جارحة بين بما قال: أن ليست هي يد جارحة ، وقيل: المراد أن الله عزَّ وجلّ لما وصف باليدين ، ويد الجارحة تكون إحداهما يمينًا والأخرى يسارًا ، واليسرى ناقصة في القوّة والبطش عرفنا عليه السلام كمال صفة الله عزَّ وجلّ ، وأنه لا نقص فيها ، ويحتمل أن آدم عليه السلام لما قيل له: ( اختر أيتهما شئت فقال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين ) أراد به لسان الشكر والنعمة لا لسان الحكم والاعتراف بالملك ، فذكر الفضل والنعمة لأن جميع ما يبديه عزَّ وجلّ من مننه فضل ، وطول مبتدأ فمن منفوع ينفعه ومن مدفوع عنه يحرسه ، فقصد قصد الشكر والتعظيم للمنة وقيل: أراد به وصف الله تعالى بغاية الجود والكرم والإحسان والتفضل ، وذلك أن العرب تقول لمن هو كذلك: ( كلتا يديه يمين ) ، وإذا نقص حظ الرجل وخس نصيبه قيل: جعل سهمه في الشمال ، وإذا لم يكن عنده اجتلاب منفعة ولا دفع مضرة قيل: ( ليس فلان باليمين ولا بالشمال ) ؛ وقال ابن فورك أيضًا في حديث آخر ونحوه: إن ذلك كان من ملك أمره الله عزَّ وجلّ بجمع أجزاء الطين من جملة الأرض أمره بخلطها بيديه فخرج كل طيب بيمينه وكل خبيث بشماله ، فيكون اليمين والشمال ، فأضاف إلى الله تعالى من حيث كان عن أمره ، وجعل كون بعضهم في يمين الملك علامة لأهل الخير منهم ، وكون بعضهم في شماله علامة لأهل الشر منهم ، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال . قال الطيبي: وأقول ، وبالله التوفيق ؛ وتقريره على طريقة أصحاب البيان هو أن إطلاق اليد على القدرة تارة وعلى