النعمة أخرى من إطلاق السبب على المسبب لأن القدرة والنعمة صادرتان عنها وهي منشؤهما ، وكذا القدرة منشأ الفعل والفعل إما خير أو شر ، وهداية وإضلال ، واليدان في الحديث إذا حملتا على القدرة حملتا على خلق الخير والشر ، والهداية والإضلال ، فاليمين عبارة عن خلق الهدى والإيمان وإليه أشار بقوله: ( فإذا فيهم رجل أضوأهم ) على أفضل التفضيل الذي يقتضي الشركة ، والشمال على عكسها ، ومعنى كلتا يديه يمين أن كلا من خلق الخير والشر والإيمان والكفر من الله عدل وحكمة لأنه عزيز يتصرف في ملكه كيف يشاء لا مانع [ له ] فيه ولا منازع حكيم يعلم بلطف حكمته ما يخفى على الخلق ، 16 ( { يضل من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم } ) ، فمعنى اليمين كما في قول الشاعر: %(
إذا ما راية رفعت لمجد %
تلقاها عرابة باليمين )%
أي بتدبيره الأحسن وتحريه الأصوب ، وإذا حملتا على النعمة كان اليمين . المبسوطة عبارة عن منح الألطاف وتيسير اليسرى على أهل السعادة من أصحاب اليمين والشمال المقبوضة على عكسها ؛ ومعنى كلتا يديه يمين على ما سبق قال تعالى: 16 ( { الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم } ) [ العنكبوت 62 ] فالفاصلتان في الآيتين أعني العزيز الحكيم ، وبكل شيء عليم ملوحتان إلى معنى ما في الحديث من قوله: ( كلتا يديه يمين ) 16 ( { والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } ) [ الأعراف 43 ] والله أعلم اه . كلامه وحاصل مرامه أن اليدين كنايتان عن آثار صفتي الجمال والجلال من الضياء والظلمة والطاعة والمعصية وما يترتب عليهما من النار والجنة ، فأصل إيجاد الخلق بعد عدمهم وقع على وجه الجلال إظهارًا للكبرياء والجبروت الناشىء عن صفة العدل ، ثم أظهر لمن شاء منهم كمال الجمال الناشىء عن صفة الفضل ، ويشير إليه ما ورد عنه: ( إن الله خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم نوره ، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه فقد ضل وغوى ، ولا شك أن نور المؤمنين والأنبياء والمرسلين في مراتب مختلفة ، فقوله:( فيهم رجل أضوأهم ) أي أضوء من بعضهم وهو أهل زمانه كما يدل عليه قوله: ( أو من أضوئهم ) ، وهو يحتمل أنه من باب الاستدراك أي بل من أضوئهم ، ويحتمل أن يكون شبكًا من الراوي ، ووجه تخصيصه من باب تفويض علمه إلى عالمه ، ولعله كونه من أقل الأنبياء عمرًا أو لأنه أكثر الأنبياء في البكاء كآدم على ما ظهر منهما من الخطأ . قال الطيبي: هو من شك الراوي ، فعلى هذا من أضوئهم صفة رجل وفيهم خبره وعلى إسقاط من هو مستأنف أي هو أضوأهم . وليس المعنى بقوله: أضوأهم أن سائر الأنبياء في الضوء والإشراق دونه ، بل لبيان فضله وجمعه بين النبوّة والملك وإفاضة نور العدل من الله عليه ، وأنه خليفة الله في أرضه . قال تعالى: 16 ( { إنا جعلناك خليفة في الأرض } ) [ ص 26 ] قلت: لو كان هذا المعنى مرادًا لكان سليمان أولى بذلك مع أن الملك لذاته ليس له نور هنالك بل له حجاب ظلماني يمنع صاحبه غالبًا عن كمال نوراني ، ولذا يدخل سليمان الجنة بعد الأنبياء بخمسمائة سنة ، وكذا يدخل عبد الرحمن بن عوف بسبب ماله الكثير المشبه بالملك الكبير بعد فقراء المهاجرين بخمسمائة عام . ( قال: يا رب من هذا ) ،