منها العصيان أو مطلقها فإن لها تعلقًا ما في الحركات والسكنات للإنسان ، ويؤيده تأكيدها بقوله: (( كلها تكفر ) ) بتشديد الفاء المكسورة أي تتذلل وتتواضع (( للسان ) ) ، من قولهم: كفر اليهودي إذا خضع مطأطأ رأسه وانحنى لتعظيم صاحبه ، كذا قاله شارح ، وفي النهاية التكفير هو أن ينحني الإنسان ويطأطىء رأسه قريبًا من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه (( فتقول ) : ) أي الأعضاء (( اتق الله فينا ) ) أي في حفظ حقوقنا (( فإنما نحن بك ) ) أي نتعلق ونستقيم ونعوج بك ) (( فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا ) ) . قال الطيبي: فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله: ( إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) ، قلت: اللسان ترجمان القلب وخليفته في ظاهر البدن ، فإذا أسند إليه الأمر يكون على سبيل المجاز في الحكم كما في قولك: ( شفى الطبيب المريض ) . قال الميداني: في قوله: المرء بأصغر به يعني بهما القلب واللسان أي يقوم ويكمل معانيه بهما وأنشد لزهير: %(
وكأن ترى من صامت لك معجب %
زيادته أو نقصه في التكلم )% %(
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده %
فلم يبق إلا صورة اللحم والدم )%
اه ولا يخفى ظهور نوقف صلاح الأعضاء وفسادها على القلب بحسب صلاحه وفساده فإنه معدن الأخلاق الكريمة كما أنه منبع الأحوال الذميمة ، ونظيره الملك المطاع ، والرئيس المتبع ، فإنه إذا صلح المتبوع صلح التبع . وقد قال بعض أكابر الصوفية: ( إن البطن عضو إن جاع هو شبع سائر الأعضاء ) يعني سكن فلا يطالبك بشيء ، ( وإن شبع هو جاع سائر الأعضاء ) ، وبيانه على ما في منهاج العايدين إن في كثرة الأكل فتنة الأعضاء وانبعاثها للفضول والفساد ، فالرجل إذا كان شعبان بطرًا اشتهت عينه النظر إلى ما لا يعنيه من حرام أو فضول ، والاذن والاستماع إليه واللسان التكلم به والفرج الشهوة والرجل المشي إليه ، وإذا كان جائعًا فتكون الأعضاء كلها ساكنة هادية لا تطمح إلى شيء من هذا ولا تنشط له . وجملة الأمر إن أفعال الرجل وأقواله على حسب طعامه وشرابه ، ( إن دخل الحرام وخرج الحرام ، وإن دخل الفضول خرج الفضول كأن الطعام بذر الأفعال ، والأفعال نبت يبدو منه ) ، فهذا المعنى ظاهر جدًا في أمر القلب والبطن ، وأما تعلق الأعضاء جميعها باللسان فلم يظهر لي مدة من الزمان حتى ألهمني الله تعالى ببركة الصلاة على نبيه وهو أن اللسان من أعضاء الإنسان آله البيان للكفر والإيمان ، فمع استقامته تنفعه استقامة سائر الأعضاء ، ومع اعوجاجه تبطل أحوالها سواء تكون مستقيمة أو معوجة في أفعالها والله الملهم بالصواب وإليه المرجع والمآب . ( رواه الترمذي ) ، وكذا ابن خزيمة والبيهقي .