( وعن علي بن الحسين ) أي ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وهو الإمام زين العابدين وقد سبق بعض مناقبه من جملة محاسن مراتبه ( قال: قال رسول الله:( من حسن إسلام المرء ) ) أي من جملة محاسن إسلام الشخص وكمال إيمانه (( تركه ما لا يعنيه ) ) أي ما لا يهمه ولا يليق به قولًا وفعلًا ونظرًا وفكرًا ، ( فحسن الإسلام عبارة عن كماله ، وهو أن تستقيم نفسه في الاذعان لأوامر الله تعالى ونواهيه والاستسلام لأحكامه على وفق قضائه وقدره فيه وهو علامة شرح الصدر بنور الرب ونزول السكينة على القلب وحقيقة ما لا يعنيه ما لا يحتاج إليه في ضرورة دينه ودنياه ، ولا ينفعه في مرضاة مولاه بأن يكون عيشه بدونه ممكنًا وهو في استقامة حاله بغيره متمكنًا ، وذلك يشمل الأفعال الزائدة والأقوال الفاضلة ، فينبغي للمرء أن يشتغل بالأمور التي يكون بها صلاحه في نفسه في أمر زاده بإصلاح طرفي معاشه ومعاده ، وبالسعي في الكمالات العلمية والفضائل العملية التي هي وسيلة إلى نيل السعادات الأبدية والفوز بالنعم السرمدية ) ؛ ولعل الحديث مقتبس من قوله تعالى: 16 ( { والذين هم عن اللغو معرضون } ) [ المؤمنون 3 ] قال الغزالي: وحد ما لا يعنيك أن تتكلم بكل ما لو سكت عنه ولم تأثم ولم تتضرر في حال ولا مآل ومثاله أن تجلس مع قوم فتحكي معهم أسفارك وما رأيت فيها من جبال وأنهار وما وقع لك من الوقائع وما استحسنته من الأطعمة والثياب وما تعجبت منه من مشايخ البلاد ووقائعهم ، فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم ولم تتضرر ، وإذا بالغت في الاجتهاد حتى لم يمتزج بحكايتك زيادة ولا نقصان ولا تزكية نفس من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة ، ولا اغتياب لشخص ولا مذمة لشيء مما خلقه الله تعالى ، فأنت مع ذلك كله مضيع زمانك ومحاسب على عمل لسانك إذ تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير لأنك لو صرفت زمان الكلام في الذكر والفكر ربما ينفتح لك من نفحات رحمة الله تعالى ما يعظم جدواه ، ولو سبحت الله بنى لك بها قصرًا في الجنة ، ومن قدر على أن يأخذ كنزًا من الكنوز فأخذ بدله بدرة لا ينتفع بها كان خاسرًا خسرانًا مبينًا ، وهذا على فرض السلامة من الوقوع في كلام المعصية وأنى تسلم من الآفات التي ذكرناها . وذكر أن بعض العارفين مر على غرفة بنيت فقال: ( مذ كم بنيت هذه ؟ ثم أقبل على نفسه وقال: يا نفسي المغرورة تسألين عما لا يعنيك ؟ وعاقبتها بصوم سنة ) وقد ورد في الحديث ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها على ما رواه الطبراني عن معاذ مرفوعًا ، فطوبى لمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب . قال تعالى: 16 ( { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون } ) [ الحشر 19 ] قال الأوزاعي: كتب إلينا [ عمر بن ] عبد العزيز: أما بعد فإن من أكثر ذكر الموت رضى من الدنيا باليسير ، ومن