اللفظ ممن أوتي ، جوامع الكلم وبدائع الحكم ، وأما ثانيًا فقوله: يقال: مزجت بالبحر لا مزج بها سببه أنه ينسب القليل إلى الكثير لا عكسه عرفًا وعادة وإن جاز لغة ، فإنه يقال: اختلط اللبن بالماء وعكسه تفاضلًا وتساويًا فنقول: في الحديث الشريف إشارة لطيفة إلى أن هذه الكلمة منك ولو كانت صغيرة وقليلة عندك فهي عند الله كبيرة وكثيرة بحيث لو مزج بها البحر بأجناسها وأصنافها وأنواعها ووسعها من طولها وعرضها وعمقها لغلبته ، وهذا من البلاغة غاية مبلغها ، وفي البليغ من الزجر نهاية حدها ومنتهاها ، وأما ثالثًا فقول الكشاف في قوله تعالى: 16 ( { فاختلط به نبات الأرض } ) [ الكهف 45 ] حق اللفظ ، فاختلط نبات الأرض خطأ فاحش لأنه ليس المعنى على أنه اختلط بالماء نبات الأرض إذ ليس تحته طائل ، بل الصواب أن الباء للسببية وأن المختلط هو بعض نبات الأرض ببعضه ، وتوضيحه أن المطر سابق وجوده على تحقق النبات على ما أشار إليه ، فاء التعقيبية في قوله تعالى: 16 ( { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض } ) [ يونس 24 ] الآية فكيف يتصوّر اختلاطهما ، وأما رابعًا فقوله: إنه من باب عرضت الناقة على الحوض ممنوع ومدفوع بأن العرض إنما يكون على أرباب التمييز ، فبهذه القرينة يعرف أن الكلام مقلوب بخلاف ما نحن فيه ، فإن بكل من الطرفين قابلية الخلط على ما بيناه ، فإن قلت: لعل صاحب الكشاف أراد اختلاط أثر ماء المطر بما ينبت به الأرض من الحبة مثلًا قلت: الظاهر أن هذا مطمح نظره ومطلع فكره لكنه يرده قوله تعالى: 16 ( { فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرياح } ) [ الكهف 45 ] إذ تعقيبيه الأصباح المذكور ، إنما هو عند حصول اختلاط النبات بعضها ببعض لاحين اختلاط الماء بالحب والنوى كما لا يخفى ، ومما يدل صريحًا على كون الباء للسببية قوله تعالى: 16 ( { وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء } ) [ الأنعام 99 ] ثم رأيت الكشاف اختار ما اخترناه وحرر ما حررناه حيث قال: فالتفت بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضًا ثم قال: وقيل: نجمع في النبات الماء فاختلط به حتى روى ورف رفيفًا ، وكان حق اللفظ على هذا التفسير ( فاختلط بنبات الأرض ) ، ووجه صحته إن كلًا من المختلطين موصوف بصفة صاحبه . اه كلامه . فالاعتراض يحول إلى ما قيل ، ويتوجه عليه أيضًا من جهة تحريره وتوجيهه وتقريره ، ويبين أن نقل الطيبي محمول على تقصيره ، ثم لا يخفى ما فيه من الدسيسة الاعتزالية في قوله: وحق اللفظ مع سوء الأدب بالنسبة إلى الآية القرآنية والله ولي دينه وناصر نبيه . ( رواه أحمد والترمذي وأبو داود ) .
( وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله:( ما كان الفحش ) ) أي القبيح