(( صلى الله عليه وسلم فقلنا: ) ) أي بعدما وصلنا (( أنت سيدنا فقال: السيد الله ) ) ، وفي نسخة السيد هو الله بزيادة ضمير الفصل لمزيد تأكيد إفادة الحصر مبالغة في تعظيم ربه وتواضع نفسه ، فحوّل الأمر فيه إلى الحقيقة مراعاة للآداب الشرعية والطريقة أي الذي يملك نواصي الخلق ويتولاهم ويسوسهم هو الله سبحانه ، وهذا لا ينافي سيادته المجازية الإضافية المخصوصة بالأفراد الإنسانية حيث قال: ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) أي لا أقول افتخارًا ، بل تحدثًا بنعمة الله وإخبارًا بما أمرني الله ، وإلا فقد روى البخاري عن جابر أن عمر كان يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالًا اه . وهو بالنسبة إلى بلال تواضع والله أعلم . (( فقلنا: وأفضلنا فضلًا ) ) أي مزية ومرتبة ، ونصبه على التمييز (( وأعظمنا طولًا ) ) أي عطاء للأحباء وعلوًّا على الأعداء ، والواو الأولى استئنافية لربط الكلام أو من قبيل العطف على التوهم (( فقال: قولوا قولكم ) ) أي مجموع ما قلتم ، أو هذا القول ونحوه (( أو بعض قولكم ) ) أي اقتصروا على إحدى الكلمتين من غير حاجة إلى المبالغة بهما ، ويمكن أن تكون أو بمعنى بل أي بل قولوا بعض ما قلتم مبالغة في التواضع ، وقيل: ( قولوا قولكم الذي جئتم لأجله وقصدتموه ، ودعوا غيركم مما لا يعنيكم ) ونظيره قوله لجويريات يضربن بالدف ويندين من قتل من آبائهن يوم بدر إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد ، دعي هذه وقولي: ما كنت تقولين أو قولوا قولكم المعتاد المسترسل فيه على السجية دون المستعمل للإطراء والتكلف لمزيد الثناء ، وحاصله لا تبالغوا في مدحي فضلًا عن غيري (( ولا يستجرينكم الشيطان ) ) أي لا يتخذنكم جريًا بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد التحتية أي كثيرًا لجرى في طريقه ومتابعة خطواته ، وقيل: هو من الجراءة بالهمزة أي لا يجعلنكم ذوي شجاعة على التكلم بما لا يجوز ، وفي النهاية أي ( لا يغلينكم فيتخذكم جريًا أي رسولًا ووكيلًا ، وذلك أنهم كانوا مدحوه فكره لهم المبالغة في المدح فنهاهم عنه ، والمعنى تكلموا بما يحضركم من القول ولا تتكلفوه كأنكم وكلاء الشيطان ورسله تنطقون على لسانه ) ، هذا زبدة الكلام في مقام المرام ، وقد تكلف الطيبي حيث قال: وأفضلنا عطف على قوله: سيدنا كأنهم قالوا: أنت سيدنا وأفضلنا فضلًا وأعظمنا طولًا ، فكره رسول الله الكل وخص الرد بالسيد ، فأدخل الراوي كلامه بين المعطوف والمعطوف عليه ، والذي يدل على كراهة الكل قوله: ( قولوا قولكم ) أي بقول أهل ملتكم ، وما هو من شعار المسلمين ، وذلك قولهم: ( رسول الله ونبي الله ) ، وقال المظهر: وقوله: ( قولوا قولكم ) يعني قولوا هذا القول أو أقل منه ولا تبالغوا في مدحي بحيث تمدحونني بشيء يليق بالخالق ولا يليق بالمخلوق . وقال الخطابي: أراد بقوله: قولوا بقول أهل دينكم أو ملتكم وادعوني نبيًا ورسولًا كما سماني الله في كتابه ، ولا تسموني سيدًا كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم لأني لست كأحد منهم إذ كانوا يسودونكم في أسباب الدنيا وأنا أسودكم بالرسالة والنبوّة فسموني رسولًا ونبيًا ) . وقال التوربشتي: سلك القوم في الخطاب معه مسلم مع رؤساء القبائل ، فإنهم يخاطبونهم بنحو هذا الخطاب ، فكره ذلك لأنه كان من حقه أن يخاطبوه بالنبي والرسول فإنها