فهرس الكتاب

الصفحة 4658 من 6013

الأنبياء والأولياء كسليمان وعثمان (( ومن لا يحب ) ) أي ويعطيها أيضًا من لا يحبه كفرعون وهامان قال تعالى: 16 ( { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ، وما كان عطاء ربك محظورًا } ) [ الإسراء 20 ] أي ممنوعًا 16 ( { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلًا } ) [ الإسراء 21 ] (( ولا يعطي الدين ) ) أي الأخلاق الحسنة والآداب المستحسنة (( إلا من أحب ) ) ، قال بعض العارفين: التصوّف هو الخلق ، فمن زاد عليك بخلق حسن فقد زاد عليك في التصوّف (( فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ) ) أي سواء أعطاه الدنيا أم لا ، ولا يتوهم أن من جمع له بين الأرزاق الدنيوية والأخلاق الدينية أنه أفضل ممن اقتصر له على الدين مع قدر كفايته من الدنيا كما يتبادر إلى فهم أرباب العقول الناقصة ، فإنه ثبت عنه أنه قال: ( من أحب آخرته أضر بدنياه ، ومن أحب دنياه أضر بآخرته ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى ) . وفي رواية قال: ( أجوعكم في الدنيا أشبعكم في الآخرة ) . وورد أن سليمان عليه السلام يدخل الجنة بعد الأنبياء بخمسمائة عام ، وعبد الرحمن بن عوف مع كونه من العشرة المبشرة يدخل الجنة حبوًا ، وحاصل المسألة يرجع إلى القول: ( بأن الفقير الصابر أفضل أم الغني الشاكر ) وإجماع الصوفية وأكثر العلماء على الأول ، بل قال بعضهم: ( الفقير الشاكر أفضل ) ، وقال بعضهم: التفويض والتسليم أكمل ، وهو كذلك ، لكن ليس له دخل في البحث ، بل فيه إشارة إلى قوله تعالى: 16 ( { إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أنه كان بعباده خبيرًا بصيرًا } ) [ الإسراء 30 ] قد بسطت في الجملة هذه المسألة في شرح حزب الفتح للشيخ أبي الحسن البكري ، والعاقل يكفيه الإشارة ولا يحتاج إلى تطويل العبارة ، ومن أراد الاستقصاء فعليه بكتاب الأحياء (( والذي نفسي بيده لا يسلم عبد ) ) أي إسلامًا كاملًا مطابقًا اسمه لمسماه من العبودية وموافقًا وصفه لما أخذه من الإسلام والسلامة ، وحاصله أن مدار الخلق الحسن على ترك الإساءة وإحسان القلب واللسان إذ هما منبع الأخلاق ، وأحدهما ترجمان الآخر ، فإن الإناء يترشح بما فيه (( حتى يسلم قلبه ولسانه ) ) . وفي نسخة يسلم بفتحتين بمعنى ينقاد (( ولا يؤمن ) ) أي عبد إيمانًا تامًا (( حتى يأمن جاره ) ) أي خصوصًا أو مثلًا (( بوائقه ) ) أي شرور . قال الطيبي: قوله: إن الله تعالى يعطي الدنيا كالنشر لما لف قبله ، وأشار بالدنيا إلى الأرزاق ، وبالدين إلى الأخلاق ليشعر بأن الرزق الذي يقابل الخلق هو الدنيا وليس من الدين في شيء ، وأن الأخلاق الحميدة ليست غير الدين . قال تعالى: 16 ( { وإنك لعلى خلق عظيم } ) [ القلم 4 ] ثم أتى بما يفضل الدين من الأعمال الخارجة والداخلة من الانقياد والتصديق كما في حديث جبريل عليه السلام ( أتاكم يعلّمكم أمر دينكم بعد ذكر الإسلام والإيمان ، وفسرهما بما ينبىء عن الأخلاق ، وخص القلب واللسان بالذكر لأن مدار الإنسان عليهما كما ورد في المثل( المرء بأصغريه ) ، فإسلام اللسان كفه عما فيه آفاته ، وهي لا تكاد تنحصر ، وإسلام القلب تطهيره عن العقائد الباطلة والآراء الزائغة والأخلاق الذميمة ثم تحليتهما بما يخالفهما .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت