كان السؤال محتملًا لأن يكون تعنتًا وإنكارًا لها وأن يكون تصديقًا بها وإشفاقًا منها واشتياقها للقاء ربه (( قال: ) ) امتحانًا له (( ويلك وما أعددت لها ) ) وإلا لو تحقق عنده إيمانه بها وإيقانه لها لقال له: ويحك بدل ويلك (( قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله ) ) ولم يذكر غيره من العبادات القلبية والبدنية والمالية لأنها كلها فروع للمحبة مترتبة عليها ولأن المحبة هي أعلى منازل السائرين وأغلى مقامات الطائرين ، فإنها باعثة لمحبة الله أو نتيجة لها قال تعالى: 16 ( { يحبهم ويحبونه } ) [ المائدة 54 ] وقال: 16 ( { إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } ) ، فكان من المعلوم الواضح عندهم أن المحبة المجردة من غير المتابعة ليس لها كثير فائدة ولا كبير عائدة (( قال: أنت مع من أحببت ) ) أي ملحق بمن غلب محبته على محبة غيره من النفس والأهل . والمال ومدخل في زمرته ومن علامة المحبة الصادقة أن يختار أمر المحبوب ونهيه على مراد غيره ، ولذا قالت رابعة العدوية: %(
تعصي الإله وأنت تظهر حبه %
هذا لعمري في القياس بديع )% %(
لو كان حبك صادقًا لأطعته %
إن المحب لمن يحب مطيع )%
وقال الطيبي: سلك مع السائل طريق الأسلوب الحكيم لأنه سأل عن وقت الساعة فقيل له: فيم أنت من ذكراها ، وإنما يهمك أن تهتم بأهبتها وتعتني بما ينفعك عند إرسالها من العقائد الحقة والأعمال الصالحة ، فأجاب بقوله: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله اه . وبعده من المبني والمعنى لا يخفى ( قال أنس:( فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام ) ) أي بعد فرحهم به أو دخولهم فيه (( فرحهم ) ) بفتحات أي كفرحهم (( بها ) ) أي بتلك الكلمة ، وهي ( أنت مع من أحببت ) . قال الخطابي: ألحقه عليه السلام بحسن النية من غير زيادة عمل بأصحاب الأعمال الصالحة اه ، ولا يخلو عن إيهام وإبهام ، والتحقيق أنهم حسبوا أن لا تحصل المعية بمجرد المحبة مع وجود المتابعة ، بل تتوقف على كثرة العبادات وزيادة الرياضات والمجاهدات ، ويدل عليه ما أورده عماد الدين ابن كثير في تفسيره بإسناده إلى عائشة قال: ( جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي وأحب إلي من أهلي وأحب إلي من ولدي وأني لأكون في البيت فاذكرك فما أصبر حتى آتيك فانظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك ) فلم يرد عليه النبي حتى نزلت: 16 ( { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا } ) [ النساء 69 ] فتبين بهذا أن المراد بالمعية هنا معية خاصة ، وهي أن تحصل فيها الملاقاة بين المحب والمحبوب أنهما يكونان في درجة واحدة لأنه بديهي البطلان . وقد روي مالك عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ( إن أهل الجنة ليتراؤون في الجنة كما تراؤون أو ترون الكوكب الدري الغارب في