فهرس الكتاب

الصفحة 4672 من 6013

باب الاكتفاء كما سبق (( لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء ) ) بكسر الموحدة من الغبطة بالكسر وهي تمني نعمة على أن لا تتحوّل عن صاحبها بخلاف الحسد ، فإنه تمنى زوالها عن صاحبها ، فالغبطة في الحقيقة عبارة عن حسن الحال كذا قيل ، وفي القاموس الغبطة حسن الحال والمسرة فمعناها الحقيقي مطابق للمعنى اللغوي ، فمعنى الحديث يستحسن أحوالهم الأنبياء والشهداء وبهذا يزول الإشكال الذي تحير فيه العلماء . وفي الجامع الصغير ( المتحابون في الله على كراسي من ياقوت حول العرش ) . رواه الطبراني عن أبي أيوب . وقال القاضي كل ما يتحلى به الإنسان أو يتعاطاه من علم وعمل فإن له عند الله منزلة لا يشاركه فيه صاحبه ممن لم يتصف بذلك ، وإن كان له من نوع آخر ما هو أرفع قدرًا وأعز ذخرًا فيغبطه بأن يتمنى ويحب أن يكون له مثل ذلك مضمومًا إلى ماله من المراتب الرفيعة والمنازل الشريفة ، وذلك معنى قوله: 16 ( { يغبطهم النبيون والشهداء } ) فإن الأنبياء قد استغرقوا فيما هو أعلى من ذلك من دعوة الخلق وإظهار الحق وإعلاء الدين وإرشاد العامة والخاصة إلى غير ذلك من كليات أشغلتهم عن العكوف على مثل هذه الجزئيات ، والقيام بحقوقها والشهداء وإن نالوا رتبة الشهادة وفازوا بالفوز الأكبر ، فلعلهم لم يعاملوا مع الله معاملة هؤلاء فإذا رأوهم يوم القيامة في منازلهم وشاهدوا قربهم وكرامتهم عند الله ودوا لو كانوا ضامين خصالهم ، فيكونون جامعين بين الحسنتين فائزين بالمرتبتين ، هذا والظاهر أنه لم يقصد في ذلك إلى إثبات الغبطة لهم على حال هؤلاء بل بيان فضلهم وعلوّ شأنهم وارتفاع مكانهم وتقريرها على آكد وجه وأبلغه ، والمعنى أن حالهم عند الله يوم القيامة بمثابة لو غبط النبيون والشهداء يومئذ مع جلالة قدرهم ونباهة أمرهم حال غيرهم لغبطوهم ، وقال الطيبي: يمكن أن تحمل الغبطة هنا على استحسان الأمر المرضي المحمود فعله لأنه لا يغبط إلا في الأمر المحبوب المرضي ، كأن الأنبياء والشهداء يحمدون إليهم فعلهم ويرضون عنهم فيما اتجروا من المحبة في الله ، ويعضده ما رويناه في صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله بتبوك قال: فتبرز رسول الله قبل صلاة الفجر للوضوء وحملت معه أداوة ثم أقبلنا حتى نجد الناس قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم ، فأدرك رسول الله إحدى الركعتين فصلي مع الناس الركعة الأخيرة ، فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله يتم صلاته فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح ، فلما قضى رسول الله أقبل عليهم ثم قال: ( أحسنتم ) أو قال: أصبتم يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها ، فقوله: يغبطهم الخ كلام الراوي تفسيرًا وبيانًا لقوله: ( أحسنتم أو أصبتم ) قال: وأيضًا لا يبعد أن هذه الحالة في المحشر قبل دخول الناس في الجنة أو النار لقوله يعني في الحديث الآتي ( لا يخافون إذا خاف الناس ) ، والتعريف للاستغراق فيحصل لهؤلاء الأمن والفراغ في بعض الأوقات ما لا يحصل لغيرهم لاشتغالهم بحال أنفسهم أو حال أمتهم فيغبطونهم لذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت