( وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله قال:( يحشر المتكبرون أمثال الذر ) ) أي في الصغر والحقارة (( يوم القيامة في صور الرجال ) ) أي من جهة وجوههم ، أو من حيثية هيئتهم من انتصاب القامة (( يغشاهم ) ) أي يأتيهم (( الذل من كل مكان ) ) أي من كل جانب ، والمعنى أنهم يكونون في غاية من المذلة والنقيصة يطؤهم أهل المحشر بأرجلهم من هوانهم على الله كما سيأتي في رواية الجامع . هذا وفي النهاية: الذر النمل الأحمر الصغير وأحدها ذرة وقيل: الذرة يراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة قلت: نعم ، قد يراد بها ، بل الظاهر أنه المراد في قوله: 16 ( { ومن يعمل مثقال ذرة } ) [ الزلزلة 8 ] كما أنه المراد جزمًا في قوله تعالى: 16 ( { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } ) [ النساء 40 ] وأما إرادة هذا المعنى في هذا المقام فغير صحيح لقوله: في صور الرجال ، وما فيه من المقال ، قال التوربشتي: يحمل ذلك على المجاز دون الحقيقة أي أذلاء مهانين يطؤهم الناس بأرجلهم ، وإنما منعنا عن القول بظاهره ما أخبرنا به الصادق المصدوق: ( إن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الإجزاء ، حتى أنهم يحشرون غرلًا يعاد منهم ما انفصل عنهم من القلفة ) ، وإلى هذا المعنى أشار بقوله: ( يغشاهم الذل من كل مكان ) . قال الأشرف: إنما قال في صور الرجال بعد قوله: ( أمثال الذر ) قطعًا منه حمل قوله: ( أمثال الذر على الحقيقة ودفعًا لوهم من يتوهم أن المتكبر لا يحشر في صورة الإنسان ، وتحقيقًا لإعادة الأجساد المعدومة على ما كانت عليه من الأجزاء ) . وقال المظهر: يعني صورهم صور الإنسان وجثتهم كجثة الذر في الصغر . قال الطيبي: لفظ الحديث يساعد هذا المعنى لأن قوله: ( أمثال الذر ) تشبيه لهم بالذر ، ولا بد من بيان وجه الشبه لأنه يحتمل أن يكون وجه الشبه الصغر ، في الجنة ، وأن يكون الحقارة والصغار ، فقوله: ( في صور الرجال ) بيان للوجه ودفع وهم من يتوهم خلافه ، وأما قوله: ( إن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء ) ، فليس فيه أن لا تعاد تلك الأجزاء الأصلية في مثل الذر لأنه تعالى قادر عليه ، وفيه الخلاف المشهور بين الأصوليين ، وعلى هذا الحقارة ملزوم هذا التركيب ، فلا ينافي إرادة الجثة مع الحقارة اه ، وفيه أنه لا كلام في قدرته تعالى على كل شيء ، وإنما الكلام في أنه هل تعلق القدرة به أم لا ؛ وإذا صح في الخير ( إن الخلق كلهم يحشرون غرلًا ) ، فلا شك أنه لا بد من تحقق إعادة جميع الأجزاء الأصلية من المتصلة والمنفصلة كالأظفار المقلوعة والشعور المحلوقة ، وأمثال ذلك تصديقًا لكلام الشارع وتحقيقًا لما أخبره به وحصول هذا كله في ذرة من المجالات العقلية ، ونفيه يعتبر في القواعد النقلية منها قوله تعالى: 16 ( { ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } ) [ الأعراف 40 ] فإن المراد به أن دخول الكفار الجنة من المحال الذي لا يقع أبدًا كوجود الجمل في سم الخياط ، إذا عرفت هذا علمت أن الشيخ التوربشتي عدل عن الحقيقة إلى المجاز للضرورة الملجئة له