ندب القرعة إذا تشاجروا ، أي تنازعوا على الجلوس في الأعلى والأسفل وذلك إذا نزلوا فيها جملة . أما إذا نزلوا متفرقين فمن سبق منهم إلى مكان فهو أحق به من غيره . قلت: وهذا لا يصح إلا إذا كانت السفينة موقوفة على الفقراء أو على الحجاج والغزاة ، بخلاف ما إذا كانت مملوكة لأحد أو لجماعة على سبيل الاشتراك . ( فصار بعضهم في أسفلها ) أي من المنازل ( وصار بعضهم في أعلاها ) أي في المجلس ( فكان الذي ) أي ولو كان واحدًا ( في أسفلها ) أي البعض الذي مستقر في أسفلها ، فأفرد الموصول نظرًا إلى لفظة البعض وإيماء إلى أنه ولو كان واحدًا فالأمر كذلك ، وإشعارًا بأن الصلحاء في الأمة كثيرون وأن الطلحاء قليلون مغلوبون مقهورون . أو إيماء إلى أن الصالح وإن كان واحدًا فهو كثير كبير عال بعلو الدين ، والفسقة وإن كانوا جماعة فهم في مرتبة القلة ومنزلة الذلة ومقام أسفل السافلين . ( يمر بالماء ) أي بسببه ( على الذين في أعلاها فتأذوا به ) أي فتأذى من بالأعلى بمروره عليهم . وحاصله أنه يجيء من أسفلها إلى أعلاها ليأخذ الماء ويذهب إلى موضعه ، ففي ذهابه وإيابه وإمراره بالماء عليهم تأذوا به بحيث ظهر له أو أظهروا له بالقول الغليظ أو الفعل الشنيع ، لا سيما إذا كان الماء كناية عن البول والغائط وإمراره لطرحه في البحر ، فإنه حينئذ يوجد التأذي أكثر ووجه المضايقة والمخالفة أظهر ، خصوصًا إذا كان أهل السفل فقراء على ما هو الغالب على مقتضى طالعهم ونازلهم في الحظ عن منازلهم . ثم الأظهر أنه صور محل الأوّلين أعلى لخلوهم بأنفسهم عن المعاصي وجعل مقابلهم أسفل لإرتكابه المنهي . ( فأخذ فأسًا ) بسكون الهمزة ويبدل ألفًا ( فجعل ) أي شرع ( ينقر ) بضم القاف أي يدق ويخرق ويقطع ( أسفل السفينة ) أي من ألواحها ( فأتوه ) أي فجاءه أهل العوالي ( فقالوا: ما لك ) أي أي شيء باعث لك على ذلك ( قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء ) أي من استعماله أو طرحه ( فإن أخذوا على يديه ) أي منعوه ، يقال: أخذت على يد فلان إذا منعته عما يريد أن يفعله كأنك أمسكت يده ، كذا في النهاية . ( أنجوه ) أي خلصوه ( ونجوا ) بالتشديد ، أي وخلصوا ( أنفسهم ) أيضًا فخلصوا من الهلاك جميعًا . وفي الجمع بين اللغتين تفنن في العبارتين ( وإن تركوه ) أي على فعله ( أهلكوه وأهلكوا أنفسهم ) والمعنى أنه كذلك إن منع الناس الفاسق عن الفسق نجا ونجوا من عذاب الله تعالى ، وإن تركوه على فعل المعصية ولم يقيموا عليه الحد حل بهم العذاب وهلكوا بشؤمه وهذا معنى قوله تعالى: 16 ( { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ) [ الأنفال 25 ] . أي بل تصيبكم عامة بسبب مداهنتكم . والفرق بين المداهنة المنهية والمداراة المأمورة ، إن المداهنة في الشريعة أن يرى منكرًا ويقدر على دفعه ولم يدفعه حفظًا لجانب مرتكبه أو جانب غيره لخوف أو طمع أو لإستحياء منه أو قلة مبالاة في الدين ، والمداراة موافقته بترك حظ نفسه وحق يتعلق بماله وعرضه فيسكت عنه دفعًا للشر ووقوع الضرر . ومنه قول الشاعر: