فهرس الكتاب

الصفحة 4792 من 6013

( ولا غدر أكبر من غدر أمير العامة ) قال التوربشتي رحمه الله: أراد به المتغلب الذي يستولي على أمور المسلمين وبلادهم بتأمير العامة ومعاضدتهم إياه من غير مؤامرة من الخاصة وأهل العقد من أولي العلم ، ومن ينضم إليهم من ذوي السابقة ووجوه الناس . وقوله: ( يغرز لواؤه عند استه ) من شأن الأمراء أن يكون لواؤهم خلفهم ليعرفوا به . فيوم القيامة يكون لكل من دعا إلى حق أو باطل لواء يعرف به . وذكر عند أسته استهانة وتنبيهًا على أنه يلصق به ويدنى منه دنوًّا لا يكون معه اشتباه . اه . فقوله: يغرز ، بصيغة المجهول ، أي ينصب لواؤه عند أسته تحقيرًا له . وهو بهمزة الوصل ، مكسورة العجز أو حلقة الدبر . ( قال: ) أي النبي ( ولا يمنعن ) بالتذكير ويؤنث ( أحدًا منكم هيبة الناس ) أي عظمتهم وشوكتهم ومخالفتهم ومهابتهم ( أن يقول بحق ) أي من أن يتكلم به أو يأمر به ( إذا علمه ) وفي النهاية: يجعل العربي القول عبارة عن جميع الأفعال ويطلقه على غير الكلام فيقول: قال بيده ، أي أخذ ، وقال برجله أي مشى ( وفي رواية: ) أي بدلًا من قوله: أن يقول بحق ( إن رأى منكرًا ) بأن الشرطية ( أن يغيره ) مفعول لا يمنعن ، أي من تغيير المنكر ( فبكى أبو سعيد وقال: قد رأيناه ) أي المنكر ( فمنعتنا هيبة الناس أن نتكلم فيه ) أي عملًا بما في بعض الأحاديث من رخصة السكوت عند المخافة على نفسه أو عرضه أو ماله عند العجز وضعف زمن الإِيمان . وأما العزيمة فإن لا يبالي بشيء مما ذكر ، ولذا ورد: ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) . على ما رواه ابن ماجه عن أبي سعيد وجماعة عن أبي أمامة وغيره . وقد قال تعالى: 16 ( { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله } ) [ البقرة 207 ] . أي يبيعها ببذلها في الجهاد أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل طلبًا لرضاه لا لغرض سواه . فإن أكابر الصحابة في الصدر الأول عجزوا مع كمال قوّتهم في الدين واليقين والمعرفة ولم يقدروا على إظهار الحق لأهل البطلان كيزيد والحجاج وأمثالهما من الظلمة والفسقة ، فكيف حالنا اليوم والحال أن بعد الألف أيام تقهقر الإِسلام وتسلط السلاطين على جميع الأنام من غير تحققهم بشروط الإِمامة والخلافة وقلة العلماء العاملين وكثرة الفضلاء الجاهلين والقضاة الظالمين والمشايخ المرائين فإنا لله وإنا إليه راجعون . فهذا لا شك أنه زمان الصبر المقرون بالشكر المنضم إلى الرضا بالقضاء المتعين فيه السكوت وملازمة البيوت والقناعة بالقوت إلى أن يموت . ( ثم قال: ) أي النبي ( ألا ) للتنبيه ( إن بني آدم ) خصوا بالذكر لأن الملائكة خُلِقُوا للخير فقط ، والشياطين خلِقوا للشر فقط . فالأوّلون مظاهر الجمال والآخرون مظاهر الجلال وبنو آدم خلقوا على وصف الكمالِ . ولعل هذا معنى قوله: ( إن الله خلق آدم على صورته ) ، أي على صفة الكمال الجامعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت