ما بعد هذا السجن إما إلباس الخلع السلطانية والقرار في المناصب العلية ، وإما تسليط الزبانية بموجب الغضب الإِلهي عليه ، ونقله من السجن السهل الفاني إلى الحبس الصعب الباقي نعوذ بالله من ذلك . ولما مات داود الطائي سمع هاتف يهتف: أطلق داود من السجن . قال أبو حفص السهروردي: إن السجن والخروج منه يتعاقبان على قلب العبد المؤمن على الساعات ومرور الأوقات ، لأن النفس كلما ظهرت بصفاتها أظلم الوقت على القلب حتى ضاق وانكمد . وهل السجن إلا تضييق وحجز من الخروج والولوج ، فكلما هم القلب بالتبرز عن مشائم الأهواء الدنيوية والتخلص عن قيود الشهوات العاجلة تسببًا إلى الآجلة وتنزهًا في فضاء الملكوت ومشاهدة للجمال الأزلي ، حجزه الشيطان المردود من هذا الباب المطرود بالإِحتجاب ، فيدلي بحسب النفس الأمارة إليه ، فكدر صفو العيش عليه وحال بينه وبين محبوب طبعه ، وهذا من أعظم السجون وأضيقها . فإن من حيل بينه وبين محبوبه ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه . ولهذا المعنى أخبر الله تعالى عن جماعة [ من الصحابة ] حيث تخلفوا عن رسول الله في بعض الغزوات ، قال تعالى: 16 ( { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } ) [ التوبة 118 ] الآية . ( رواه مسلم ) وكذا أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ، والطبراني والحاكم عن سلمان ، والبزار عن ابن عمرو رواه أحمد والطبراني وأبو نعيم في الحلية ، والحاكم عن ابن عمرو بن العاص ولفظه: الدنيا سجن المؤمن وسنته ، فإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة . والسنة بفتح أوله القحط والجدب . وأخرج ابن المبارك عن ابن عمر قال: إن الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن ، وإنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه كمثل رجل كان في سجن فأخرج منه فجعل يتقلب في الأرض ويتفسح فيها . وأخرجه ابن أبي شيبة عنه نحوه . وأخرج أبو نعيم عن ابن عمران النبي قال لأبي ذر: يا أبا ذر إن الدنيا سجن المؤمن والقبر أمنه والجنة مصيره . يا أبا ذر الدنيا جنة الكافر والقبر عذابه والنار مصيره . وروى ابن لال عن عائشة: الدنيا لا تصفو لمؤمن ، كيف وهي سجنه وبلاؤه .
( 5159 ) ( وعن أنس قال: قال رسول الله: إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة ) قال شارح: