فهرس الكتاب

الصفحة 4814 من 6013

خفة واحتاجت إلى الأكل عادت فأكلت . كذلك من أخرج ما في المال من الحقوق وعالج نفسه بالاحتماء عن مساوى الأغنياء وعرف الداء والدواء بتتبع كلام الحكماء من الأنبياء والأولياء ، فيكون المال حينئد خيرًا له لأنه معونة له في تحصيل الخير ودفع الشر . لكن لما كان الخطر فيه كثيرًا بحيث يضر السالكين بحسب الأغلب ، اختار الله لأكثر الأنبياء والأولياء طريق الفقر والفاقة . وذهب الصوفية أجمعهم والعلماء أكثرهم إلى أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر والله سبحانه [ وتعالى ] أعلم ، هذا مجمل الكلام في مرام المقام . وأما تفصيله لغة وحلًا من جهة المبنى والمعنى ففي النهاية: الحبط بالتحريك الهلاك . يقال: حبطت الدابة تحبط حبطًا بالتحريك إذا أصابت مرعى طيبًا فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت . وذلك أن الربيع ينبت أحرار العشب فتستكثر منه الماشية ويلم ، أي يقرب ويدنو من الهلاك . والخضر بكسر الضاد نوع من البقول ليس من أحرارها وجيدها وإنما ترعاها المواشي إذا لم تجد غيرها فلا تكثر من أكلها ولا تستمرئها . قال القاضي: آكلة نصب على أنه مفعول يقتل والاستثناء مفرغ . والأصل أن مما ينبت الربيع ما يقتل أكله إلا أكل الخضر على هذا الوجه ، وإنما صح الإِستثناء المفرغ من المثبت لقصد التعميم فيه ونظيره: قرأت إلا يوم كذا . قال الطيبي [ رحمه الله تعالى ] ، وعليه ظاهر كلام المظهر: والأظهر أن الإِستثناء منقطع لوقوعه في الكلام المثبت ، وهو غير جائز عند الكشاف في أكثر النسخ إلا بالتأويل فيه ، لأن ما يقتل حبطًا بعض ما ينبت الربيع لدلالة من التبعيضية عليه والتقسيم في قوله: إلا آكلة الخضر ، لأن الخضر غير ما يقتل حبطًا ، يشهد له ما في شرح السنة . قال الأزهري: فيه مثلان ، ضرب أحدهما للمفرط في جمع الدنيا ومنعها من حقها ، وضرب الآخر للمقتصد في أخذها والانتفاع بها . وأما قوله: وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا . فهو مثل للمفرط الذي يأخذها بغير حق ، وذلك أن الربيع ينبت أحرار العشب فتستكثر منها الماشية حتى تنتفخ بطونها لما قد جاوزت حد الاحتمال فتنفتق أمعاؤها فتهلك ، كذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها ويمنع ذا الحق حقه يهلك في الآخرة بدخول النار . وأما مثل المقتصد فقوله: إلا آكلة الخضر . وذلك أن الخضر ليست من أحرار البقول التي ينبتها الربيع فتستكثر منها الماشية ولكنها من كلأ الصيف التي ترعاها المواشي بعد هشيم البقول شيئًا فشيئًا من غير استكثار . فضرب مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا ولا يحمله الحرص على أخذها فهو ينجو من وبالها . قال الأشرف في قوله: حتى امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس . أن المقتصد المحمود العاقبة وإن جاوز حد الإِقتصاد في بعض الأحيان وقرب من السرف المذموم لغلبة الشهوة المركوزة في الإِنسان ، وهو المعني بقوله: أكلت حتى امتدت خاصرتاها . لكنه يرجع عن قريب عن ذلك الحد المذموم ولا يلْبث عليه ، بل يلتجىء إلى الدلائل النيرة والبراهين الواضحة الدافعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت