فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الآفاق والأنفس ( فأما ) بالفاء العاطفة ، ولعل المعطوف عليه مقدر . والمعنى أما ما سبق من القلب واللسان وغيرهما فأمره ظاهر في كونه شرط للإفلاح ، وأما ( الأذن فقمع ) بفتح فسكون وبكسر القاف مع سكون الميم وفتحها . ففي القاموس: القمع بالفتح والكسر وكعنب ، ما يوضع في فم الإِناء فيصب فيه الدهن وغيره . وفي النهاية: القمع كضلع ، إناء يترك في رؤوس الظروف لتملأ بالمائعات من الأشربة والدهان . قال الطيبي [ رحمه الله ] : شبه أسماع الذين يستمعون القول ويعونه بقلوبهم بالأقماع ( وأما العين فمقرة ) بضم الميم وكسر القاف وتشديد الراء ، كذا في أصل الأصيل . وفي أكثر النسخ فتحات وهو الأظهر أي محل قرار . ( لما يوعي ) أي يحفظ ( القلب ) بالرفع ، وفي بعض النسخ بالنصب وهو يؤيد ما في الأصيل ويناسب الإِيعاء . قال الطيبي: قوله: فمقرة وارد على سبيل الإِستعارة لأنها تثبت في القلب وتقر فيه ما أدركته بحاستها ، وكان القلب لها وعاء وهي تقر فيه ما رأته . قال في أساس البلاغة: ومن المجاز قر الكلام في أذنه وضع فاه على أذنه فأسمعه ، وهو من قر الماء في الإِناء إذا صبه فيه . والقلب مرفوع على أنه فاعل يوعي ويحتمل النصب ، أي يقر في القلب أي يحفظه . وإنما خص السمع والبصر لأن الآيات الدالة على وحدانية الله إما سمعية فالأذن هي التي تجعل القلب وعاء لها ، أو نظرية فالعين هي التي تقرها في القلب وتجعله وعاء لها . ومن ثم جعل قوله: ( وقد أفلح من جعل قلبه واعيًا ) أي حافظًا ، كالفذلكة للقرينتين . قلت: وبه يتم آلات العلم وأسبابه ، ولذا قال تعالى: 16 ( { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا } ) [ الإِسراء 36 ] . وفي تقديم السمع إشعار بأن العمدة هي العلوم الشرعية التي تعرف من الأدلة السمعية المورثة لعلم اليقين ، ثم يرتقى إلى مرتبة النظر ورتبة الفكر إلى أن يصير علمه عين اليقين وينتهي إلى القلب الذي هو عرش الرب ، وبه يصل إلى كمال حق اليقين رزقنا الله [ تعالى ] جميع مراتب اليقين في درجات الدين المعبر عنها بقوله سبحانه: 16 ( { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ) [ الحجر 99 ] . ووجه الغاية أنه لا يتصوّر بعد تحقق اليقين ترك العبادة في الدين ، بل يحصل له مرتبة وضع الميت بين يدي الغاسل كما قيل: موتوا قبل أن تموتوا ، ولذا أجمع المفسرون على أن المراد باليقين في الآية هو الموت . وما أحسن هذا الموت الذي هو عين الحياة أذاقنا الله منه بعض الذوق الممزوج بحلاوة الشوق . ( رواه أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان ) .
( 5201 ) ( وعن عقبة بن عامر عن النبي قال: إذا رأيت الله عزَّ وجلّ