فهرس الكتاب

الصفحة 4860 من 6013

الأمل ويوجب العمل . ( وهذه الدنيا ) أي المعلومة هنا والمفهومة حسًا . ( مرتحلة ) أي ساعة فساعة ( ذاهبة ) أي رائحة من حيث لا يدري صاحبها كما لا يشعر بسير السفينة راكبها . ولذا قيل: [ كل ] نفس خطوة إلى أجل راعيها . ( وهذه الآخرة مرتحلة قادمة ) أي آتية . شبههما بالمطيتين المختلفتين في طريقهما ، وفيه إشعار بأن كل ما هو آت قريب وإيماء إلى أن كل ساعة يحتمل أنها [ تكون ] النفس الأخير المقتضي أن يصرفها في طاعة . ( ولكل واحدة منهما بنون ) أي ملازمون ومحبون وراكبون وراغبون ، والجمع بينهما من الأضداد المعلومة كما حققه العلماء العاملون . ( فإن استطعتم أن لا تكونوا من بني الدنيا فافعلوا ) وفيه اهتمام تام بترك الدنيا ومبالغة بليغة في ملازمة أمر الآخرة حيث لم يقل: فإن استطعتم أن تكونوا من أبناء الآخرة فافعلوا . ولعل العدول لما يلزم من ترك حب الدنيا حصول الآخرة ، ولا يلزم من وصول الآخرة ترك حظ الدنيا لقوله تعالى: 16 ( { من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب } ) [ الشورى 20 ] . ولقوله سبحانه: 16 ( { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا . من أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا . كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورًا . انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلًا } ) [ الإِسراء 18 19 20 21 ] . ( فإنكم اليوم في دار العمل ) أي في دار يطلب منكم عمل الآخرة ، فإن الدنيا دار تكليف فاغتنموا العمل قبل حلول الأجل بترك الأمل لأن الدنيا ساعة فينبغي أن تصرف في طاعة . ( ولا حساب ) أي اليوم بحسب الظاهر بالنسبة إلى الفاجر . وإلا فروي خطابا للأبرار: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا . ويدل عليه قوله تعالى: 16 ( { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } ) [ النور 53 ] . ( وأنتم غدًا في دار الآخرة ) أي وفي الحساب المترتب عليه الثواب والعقاب ( ولا عمل ) أي يومئذ لإنقطاعه بالأجل . قال السيوطي [ رحمه الله ] : قوله: ولا حساب . بالفتح بغير التنوين ويجوز الرفع بالتنوين ، وكذا قوله: ولا عمل . قال الطيبي [ رحمه الله ] : أشار بهذه الدنيا إلى تحقير شأنها ووشك زوالها . وفي قوله: الآخرة . أشار إلى تعظيم أمرها وقرب نزولها . وقوله: فإن استطعتم ، يعني بينت لكم حال الدنيا من غرورها وفنائها وحال الآخرة من نعيمها وبقائها وجعلت زمام الاختيار في أيديكم فاختاروا أيًا مّا شئتم . وكان من حق الظاهر أن يقال: فإنكم اليوم في دار الدنيا ولا حساب فوضع دار العمل موضعها المؤذن بأن الدنيا ما خلقت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت