للرجل الذي عنده ( ما رأيك في هذا . فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري ) ترك القسم لإحتمال التخلف ، وأما تأكيد الحكم به سابقًا ، فللمبالغة في تحقق الظن فيه . والمعنى: هذا لائق . ( إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال ) أي بكلام ، ولو كان صدقًا أو حقًا . ( أن لا يسمع ) بصيغة المجهول ونائب الفاعل قوله: ( لقوله: ) والمعنى أن أحدًا لا يسمع لكلامه ولا يلتفت إليه من غاية فقره وقلة نظام أمره . * ففي غرائب ما يحكى أن رجلًا غريبًا فقيرًا رافق شخصًا ملك بعيرًا وحمله حملًا ثقيلًا فقال: ما حملك هذا وما حملك على هذا . قال: عدل منه حب الطعام وعدل آخر مليء من البطحاء ليعتدل النظام . قال الفقيرُ له: لو تركت البطحاء وقسمت الحب في العدلين متناصفين لخف حملك وركبت جملك . فقال: بارك الله فيك لما صدر من فيك فأطاعه فيما بينه وركب على وجه عينه فسأله: هل أنت بهذا العقل كنت في بلادك سلطانًا . فقال: لا ، فقال: فوزيرًا فأميرًا فتاجرًا فرئيسًا فصاحب إبل وصاحب خيل أو غنم أو زراعة ونحو ذلك . فيقول: لا . فقال: أكنت في بلدك فقيرًا على هذا الحال وحقيرًا على هذا المنوال ، فقال: نعم . فقال: أنت شؤم ووجهك شؤم وكلامك شؤم ومن يسمعك أيضًا شؤم . ونزل عن بعيره وأمر على تغييره من سوء تدبيره . ومثل هذا مشاهد في العالم كثيرًا ، مثلًا إذا كان العالم فقيرًا والشيخ إذا كان حقيرًا حيث لا يلتفت أحد [ إلى كلامه ] ولا يعظم على قدر مقامه بخلاف العالم والشيخ إذا كان مشهورًا وعلم جاهه بين العوام منشورًا فإنه يقبل قوله ويتبع فعله ، ولو كان في نفس الأمر ناقصًا في علمه أو عمله والله ولي دينه وناصر نبيه ، ومن هذا القبيل قول أهل الجاهلية في حقه لما كان تاركًا للمال والجاه على ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله: 16 ( { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } ) [ الزخرف 31 ] . وأرادوا بالقريتين مكة والطائف ، كان كل أهل قرية قالوا هذه المقالة فلف النشر اعتمادًا على معرفة تلك الحالة ، فقال تعالى ردًا عليهم: 16 ( { أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا } ) [ الزخرف 32 ] الآيات . ( فقال رسول الله: هذا ) أي هذا الرجل وحده وكذا أمثاله ( خير من ملء الأرض مثل هذا ) [ أي مثل ] الرجل الأوّل . ووجهه والله تعالى أعلم أن الفقير لصفاء قلبه أقرب إلى قبول أمر ربه والوصول إلى مرتبة حبه ، بخلاف الأغنياء الأغبياء فإن لهم الطغيان والإِستغناء والتكبر والخيلاء . وقد قال الله تعالى: 16 ( { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } ) [ الأعراف 146 ] . وهذا أمر مشاهد مرئي في تلامذة العلماء ومريدي الصلحاء والتابعين أولًا للأنبياء ، بل السابقين إلى العبادات من الصلوات وغيرها حتى الحج الذي لم يجب إلا على الأغنياء . فالفائزون به لا سيما على وجه الإخلاص المبرأ عن الأغراض الفاسدة والمكاسب